الحق يقال..مؤسسة الصدفة ||عبد الحميد الصائح

لا اهمية لهذا المقال اليوم اكثر من اهميته حين نشر قبل     ثلاثة عشر عاما في لحظات حرجة وساعات وايام حاسمة ذات صدفة اشتبك فيها الباطل مع الباطل ليوضع الشعب العراقي امام مرارتين، الديكتاتورية أو الاحتلال لا حول له في اختيار احداهما ولا قوة به لمواجهتما معا، كانت تلك الكلمات الحارة التي نشرت ما بعد 9 نيسان 2003 مباشرة بمثابة جرس انذار لمسؤولين جدد تطلّع العراقيون لخيرهم وسط شرور الكون التي حطت على رأس بلادهم.

كل عراقي مهما كان عمله ودينه وعرقه ومذهبه لا بد وان يحدثـك عن صدفة لولاها لهلك، ولولاها لما انفتحت أمامه نوافذ الأمل وابواب الفرج، صدف في الحياة مع الحصول على جواز أو إجازة أو دراسة، صدف مع الانتماء، مع السجن، مع الخلاص من التعذيب، مع النجاة من الحرب، الموت السفر الهجرة الزواج الطلاق الهروب التهريب اللجوء…الخ، حتى يستنتج المرء انه لولا الصدف الكثيرة لهلك هذا الشعب دون شك. ولو لم يكن لهذا الشعب ارث طويل من المودة والتراحم والترابط الأسري والقناعة لَتحوَّل الى شعب مسخ في ظل الضغوط الداخلية والخارجية التي انهالت عليه، فالحياة في هذا البلد كانت صدفة، الأمان صدفة، الوظيفة صدفة، العلاقات صدفة، وعليه فان الصدف هي التي سيرت حياتنا وقادتنا الى ما لم نفكر به، ففي مجتمع يخضع لسلطة قمعية جبارة كالتي حكمت العراق، لا تجد فيها من يصغي بهدوء، او يحاكِم بمنطق، او يعاقب برحمة، يتحول الاستبداد إلى عرف وطريقة ونهج، الكل مستبد وضحية في الوقت نفسه الا الديكتاتور الأعلى. فالوزير ضحية وهو جلاد موظفيه، وموظفوه ضحايا لكنهم جلادو مراجعيهم، الأب ضحية لكنه جلاد أسرته، والرجل ضحية لكنه جلاد امرأته وهكذا يتم توارث الاستبداد، الجميع يعوّض عن ظلم نفسه بظلم الآخر حتى تضيق رئة البلاد ويختنق المجتمع بالقيود والخوف اختناقا لا تحل عقدته الا الصدفة او ضربة حظ. لا فرصة لحكمة أو ثقافة طليعية أو حق بالاعتراض والتصحيح، لغة السيف والدم هي السائدة، الكل يطالب بالعدالة والإنصاف والمشاركة السياسية لحين تسلمه المسؤولية، والكل يطالب باحترام الرأي ويقصد رأيه وحده لا رأي معارضيه. الذي يحدث في العراق “الآن” على الصعد جميعها ليس سوى نمط من الهستيريا الاجتماعية والسياسية، هستيريا قد تؤدي بالبلاد إلى التهلكة والتقسيم والعنف طويل الامد، يخشى أن اعتمادنا سيستمر على الصدفة وحدها لانتشالنا منها.

الاسوأ من ذلك ان تتحول الصدفة في حياة العراقي الى مؤسسة سياسية واجتماعية يستغني عما سواها من السعي والاجتهاد، وحين تكون الصدفة أو الطالع أو الاتكال على المقسوم نهجا معتادا فهو دليل على عقم هذا المجتمع ويأسه و جفاف بصيرته.

هذه المرة لن ينفع الاتكال على الطالع او انتظار دوران الفلك السياسي الذي حوّل أمريكا من مرضعٍ لصدام الى عزرائيل، لان الصدفة لا تأتي دائما حسب الأهواء والحاجات، فهي قد تكون خيرا من ألف ميعاد نعم لكنها ايضا قد تكون موعدا لقدَرٍ لا راد له، وعليه فالعراقيون اليوم أمام امتحان نهائي لا مستويات في نتيجته سوى التفوق والخروج من الأنفاق المظلمة التي التّفت على رقابهم، أو الدخول فيها دخولا لا رجعة عنه، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

مقالات ذات صله