يوسف إدريس يكتب: الحياة رحلة سفر

بغداد _ متابعة

في كتابه «خلو البال» كتب الأديب الدكتور يوسف إدريس «رحل في مثل هذا اليوم 1 أغسطس عام 1991» مقالا قال فيه : نحن في الحقيقة حين نشكو مما يحدث الآن نعبر عن تخوفنا من المستقبل، فالحاضر لم يتجاوز بعد حد الخطر، وبإمكاننا أن نحل مشاكله، ولكن لكى نتفرغ لحل مشكلات الحاضر لا بد أن يخلو بالنا.

وبالنا يخلو فقط حين نطمئن إلى المستقبل.. ذلك أن الذي لا نعرفه عن الإنسان هو أنه كائن مستقبلى.. إذ هو الكائن الوحيد على ظهر الأرض الذي يعرف أن هناك مستقبلا، وأنه قادم لا محالة، وأنه لا بد وأن يستعد لهذا المستقبل بالعمل في الحاضر، وفى هذا المجال أتذكر الآن كتاب أحمد بهاء الدين (أيام لها تاريخ) ذلك أن الكتاب الذي تأثر به جيلنا كله والذي يقول في مقدمته: إن الفرق بين الإنسان والفأر هو أن الأنسان كائن ذو ذاكرة مختزنة.. تختزن الخبرات التي تحصل عليها من احتكاكها بالحياة وتعيد استعمالها عند تكرار الخبرة أو خبرة متشابهة، على حين أن الفأر لا يختزن أبدا والدليل أنه في كل مرة عليه المصيدة والدليل أنه في كل مرة يرى باب مصيدة يدخلها.
وكان أحمد بهاء الدين يريد أن ينبه في ذلك الحين (الخمسينيات) إلى ضرورة أن نعرف تاريخنا ونجتر خبراته لنستفيد بها في حل مشكلات الحاضر.
واستطيع أن أقول هنا دون خطأ كبير إن الإنسان أيضا كما له ذاكرة تترسب فيها وتتراكم خبرات الماضى فإن له رؤى للمستقبل لا بد من وجودها أمام عينيه وتشكل بالنسبة له محطة الوصول الذي عليه أن يقطع الفيافى والمسافات للوصول اليها.
لا بد من هذا فالحياة رحلة سفر عبر الزمان، وربما أيضا عبر المكان.. رحلة لست أنا الذي سوف أسافر إليها وحدى دائما أبنائى وأحفادى من بعدى.
ومن الضرورى أن للمسافر لكى يسافر أن يكون عارفا أو على شبه يقين بالهدف الذي يريد الوصول اليه فهل نحن مدركون لمحطة الوصول؟

وهل لدينا فكرة عن محطة المستقبل أم نحن كالراكبين في قطار المفاجآت؟ ولكن حتى قطار المفاجآت قطار مفاجآت سارة تنتظرنا ونعرف وندرك أننا سنسعد بها مهما كانت محطة الوصول.
المستقبل هو مشكلتنا ومبعث قلقنا والغيوم المنسدلة فوق أعيننا وليس الحاضر أبدا، أو بالادق ليس الحاضر إلا بمقدار ما يغيم المستقبل ويحيله إلى شئ غير ممكن التنبؤ به وغير يمكن الاطمئنان إليه ومن ثم التفرغ لحل مشكلات الحاضر.

مقالات ذات صله