وسواس المرض … مواطنون يتوهمون أمراضاً جراء انتشارها

بغداد_ متابعة
ظنون واعتقادات عدة تجول بخاطر فوزية نافع (48 عاما) بمجرد شعورها بألم ما في جسدها، خصوصا في ظل انتشار أمراض القلب والسرطان، وتبدأ فورا بالاستفسار عن الأعراض التي لديها من مصادر عدة، إما عن طريق الإنترنت أو من خلال الأقارب والأصدقاء المصابين بأحد هذه الأمراض.
وتشعر فوزية في الموضوعات التي تقرأها عن مرض ما بأنها مصابة به، خصوصا وإن كانت تعاني من نفس الأعراض، موضحة “لهذا أتخوف من زيارة الطبيب، ولكن إصرار وتشجيع العائلة يجبرني على ذلك، وبعد الفحص أطمأن وتهدأ نفسي لأن ما أمر به هو وعكة صحية بسيطة علاجها بالدواء”.
وتؤكد فوزية أنها لم تكن في السابق هكذا، ولكن مع تقدم العمر، ومعرفتها بإصابة العديد مما حولها بأمراض كبيرة، وأصبحت مع أي ألم ينتابها تشعر بخوف وكآبة وتوتر جاءها، وكل ذلك يستنفد من طاقتها النفسية، مضيفة “وهذا يجعلني في غاية السوء ويبدو على وجهي أمام الآخرين”.
وينتاب كثير من الأشخاص مخاوف جراء إصابتهم بمرض ما، خصوصا في ظل معرفتهم بانتشار العديد من الأمراض مثل السرطان والقلب والرئة، فيصبح الشخص طبيب نفسه ويشخص حالته دون استشارة الطبيب وفحصه، مما ينعكس على حالته النفسية والصحية سلبا، إلى جانب تأثر المحيطين به.
يشير الاختصاصي النفسي، د. خليل العبيدي إلى أن العديد من الناس يتوهمون المرض فيصابون بالرعب والهلع في الوقت الذي كثرت وتعددت به الأمراض، وسرعان ما يبدأ المريض استنتاجته وتحليلاته لحالته الصحية وربما الجزم بأنه مصاب بمرض ما.
ويقول، “نحن نعيش في زمن تبدلت فيه أحوال الناس، وأصبح القلق والتوتر يسيطر على كثير من مناحي حياتهم، وأصبح الخوف من المرض أحد أهم أنواع القلق التي نشاهدها كثيرا”، منوها إلى أن الشخص المتوهم بمرض ما يبدأ بمراقبة حراكاته الداخلية ويتأمل كل شهيق وزفير وكل نبضة إلى أن يصل الطبيب ويشخص حالته الصحية.
وينصح العبيدي الأشخاص الذين يتخوفون من المرض، والذين تستبد بهم وساوس المرض وما ينتج عنها، أن يبحثوا في هدوء وبعقلانية، عن أسباب الآلام والأوجاع، إلى أن يعثروا على الحقيقة، لأن معرفة الأسباب أهم بكثير من معالجة الأعراض.
حالة لايمكن تفسيرها !!
وكذلك هو حال السيدة  أم حامد” 50” سنة  التي توهمت بإصابتها بمرض القلب حينما فوجئت بخبر دخول صديقتها العناية المركزة في إحدى المستفشيات وإنها تعاني من انسدادات في شرايين القلب، مما تطلب خضوعها لعملية “القلب المفتوح”.تقول، “لا أستطيع تفسير الحالة التي مررت بها في تلك الأيام، فقد امتلكني شعور بأنني أعاني المرض ذاته، وشعرت بألم عدة في منطقة الصدر، فهذا المرض أصبح شائعا كثيرا، ونسمع عنه كثيرا، حتى إنني تخوفت من مراجعة الطبيب لمعرفة الداء”.وتضيف “قام الطبيب بطمأنتي بأن حالتي عادية، وتساءل عن علامات الخوف والقلق الواضحة على وجهي، وتبين بعد إجراء الفحوصات اللازمة أنني أشكو من التهابات في القصبات الهوائية”.
وتصف السيدة  أم جلال حال زوجها الستيني بأنه يجزم بإصابته بأحد الأمراض الخطيرة بمجرد شعوره بألم ما في جسده، وما يزيد الطين بله أنه يرفض الذهاب للطبيب ويبدأ بجمع الأبناء والمقربين حوله وكأنه في حالة وداع لهم.
تقول، “عندما يحس زوجي بألم في صدره، أو اضطرابات في البطن، فإنه يلزم الفراش، ويطلب الاهتمام به، وينعكس ذلك سلبا على حالتي النفسية وأبنائي، ونحاول طمأنته والحديث معه بأن توقعاته وتشخيصاته قد تكون غير صائبة لكن دون جدوى، فهو على يقين بأن والدته توفيت جراء إصابته بمرض السرطان، ومن المؤكد أنه يحمل المرض ذاته”.
وتذكر أنه قدر إصابته بمرض بالسكري جراء دخوله كثيرا لدورة المياه، وبعد مطالبات وضغوطات كثيرة من قبل أفراد العائلة بضرورة الفحص للكشف عما يعاني، اتضح أنه غير مصاب، لكن لديه التهابات في المجاري البولية.
وفي هذا السياق يقول استشاري الاجتماع الأسري مفيد سرحان “الأصل أن يؤمن الإنسان بالقضاء والقدر، وأنه معرض للإصابة بالمرض، وفي المقابل فإن عليه أن يعتني بنفسه، ويعتمد أسلوب الوقاية قدر الإمكان، وأن يأخذ بالأسباب، كالاعتناء بالتغذية، والنظافة وغيرها من أسباب الوقاية والراحة، وأيضا إجراء الفحوصات الطبية بشكل دوري، أو عند ظهور أي أعراض”.ويضيف “بقدر ما يكون لدى الإنسان ثقافة صحية بقدر ما يكون أكثر قدرة على التعامل مع المرض وطبيعته، وهذه مسؤولية الأسرة التي ينبغي أن تهتم بالثقافة الصحية، وهي كذلك مسؤولية المدرسة والإعلام، حتى يستطيع الإنسان أن يبتعد قدر الإمكان عن مسببات المرض، أو يعرف كيف يتعامل معه لحظة الإصابة”.ويلفت سرحان إلى قضية مهمة، وهي مراجعة المريض للطبيب المختص في حالة الشعور بالمرض، فهو الأقدر على تحديد الحالة ووصف العلاج المناسب، داعيا كل من أصابه مرض بألا يعتمد على وصفات الآخرين وتجاربهم، أو حتى على حالات مشابهة، خصوصا في ظل انتشار أمراض القلب والرئة والسرطانات.
ويبين سرحان دور الأسرة والزملاء، الكبير، في رفع معنويات المريض، وفي الابتعاد عن التهويل، والتخويف، لاسيما في ظل التقدم العلمي الكبير، مع إقناع المريض بأن الأمور بيد الله، وعلى الإنسان أن يأخذ بالأسباب.
وبعض الناس، وفق سرحان، يخشون الذهاب إلى الطبيب خوفا من أن يكتشف مرضا خطيرا، فهم يفضلون تحمل المعاناة على ان يصارحهم الطبيب بمرض من الأمراض. أما بعض الناس فهم، بسبب قلة الثقافة، يضخمون الأعراض ويتصورون أن أمراضهم خطيرة، فيصابون بأمراض نفسية تسهم في تحويل الأعراض البسيطة إلى مرض حقيقي.

مقالات ذات صله