وجدانٌ حميمٌ شكل ملامح جيله .. مظفر النواب .. خصوصية عالم شعري ما زال يُعمق الذاكرة الجمعية لشعبٍ كاملٍ

إعداد ـ الجورنال
كانت السنوات الخمس التي اعقبت ثورة 14 تموز 1958 ، فترة شعرية غزيرة وخصبة بكل المعاني في حياة الشاعر مظفر النواب ، والطريف ان هذا الخصب الكمي والنوعي الذي نحاول دراسته في هذه المقالة ، قد تم وسط دوامة عاصفة من الاحداث المأساوية المتلاحقة على صعيد التاريخ السياسي للعراق او الفرد العراقي او المواقف التي خاضها الشاعر نفسه كمثقف التزم قضايا الانسان وعاشها بثبات حزين ، رغم ما لحق به من سجن وجور وتشريد وطرد من مهنة التعليم ، وتنقلاته بين سجون مختلفة ، ومحاولاته الدؤوبة الناجحة والمخفقة في الهرب والانطلاق ، وتسلله عبر الحدود الايرانية وايداعه بالسجن هناك ايام حكم الشاه ، ثم تسليمه الى الحكومة العراقية ليواجه حكما بالاعدام ، ثم هربه من سجن الحلة واللجوء الى اهوار الجنوب. دورة زمنية عاتية من حياة ، قضاها الشاعر وهو لم يتعد وقتها الثلاثين من عمره، حتى سنة 1969 ونجاحه في السفر مصادفة الى خارج العراق وتحرره النهائي .

برغم ذلك، اسفرت هذه الحياة النضالية الشاقة ابان السنوات الخمس المشار اليها دفقا شعريا هائلا ، كأنما كان الشعر التزاما لدى الشاعر امام قضية عالجها بالشعر ،كسؤال ابدي يمثل الوجه الاخر للحياة المتحدية بصيرورتها المستمرة. وحسبنا ان نشير الى تواريخ قصائده المنشورة في متن ديوانه الاول ،(للريل وحمد) التي تتراوح تواريخ كتابتها بين اعوام 1959 – 1964حيث ثبتها بنفسه مذيلا بها قصائده، حتى تلك التي لم تسمح الظروف باتمام كتابتها ، لندرك مدى خصوبة الانجاز الشعري الهائل التي تميزت به تلك الفترة من حياة الشاعر. وأزعم أ ن قصائده الطويلة التي لم يتضمنها ديوانه الاول مثل (حرز) (ابن ديرتنه حمد) (حجام البريٍس) و (حسن الشموس)(يانهران اهلنه) (براءة)، تنتمي بروحية كتابتها الى تلك الحقبة من الزمن ايضا. اعقبت تلك السنوات قصائد قليلة لاتتجاوز اصابع اليد الواحدة مثل (جيفارة) (مشتاك ياديرة هلي) (العب ..العب) (كالولي) (ليل البنفسج)(موحزن) (شنهو اطيب من أذيتك) (بعدك انت كلشي) (حمام نسوان) كتبت خلال اكثر من ثلاثين عاما، كأنما شهدت شاعرية النواب (التي اثمرت خلق مسار مغاير في مسيرة الحركة الشعرية) رغم العنفوان الحاد لمرور السنين احتفظت بتميز شعري اقوى وتطور تسهل ملاحظته. وربما كان السبب الاول في تحول الشاعر في مرحلته الاخرى، وكتابة القصيدة الحديثة ( الفصيحة)، تباعده عن دائرة الوجدان الشعبي ومصائره واسئلته التي كانت ملهما دائما له، وانتزاعه في بيئة مختلفة بعيدا عن اجوائه الاليفة الصميمة وأناسه الذين عاش معهم فترات تشرده واحلامه الاولى ، وابتعاده عن تلك المفردات اليومية التي كانت تملأ ايامه ودفاتره، اضافة الى اطلاعه الدائم والاكيد على مسيرة الشعر العالمية ومحاولته الاتجاه لكتابة المسرحية الشعرية ، اضافة الى ارتياده اافاق تجربة نضالية جديدة على افق اخر .

وجاء السبب الاهم في اتجاه الشاعر الى هجر الكتابة باللهجة ، والى انحسار الكتابة الدارجة في اقطار عربية عديدة ، بعد رحيل كتابها الكبار امثال بيرم التونسي وصلاح جاهين وميشال طراد والرحابنة، وتوقف احمد فؤاد نجم وتوجه عبد الرحمن الابنودي وسيد حجاب ومأمون الشناوي وعبد الوهاب محمد الى كتابة الاغنية ومقدمات المسلسلات التلفزيونية، ولكن ربما كان السبب ذو الوزن الاكبر هو منع السلطات العراقية المغنين من غناء قصائده ونشرها وسجن من يتداولها او يروجها بأية طريقة، كانت رغم ان موضوعة قصائد النواب الدائمة كانت عن الحب العذري والهجر، وقصائده السياسية توقفت ضد مقارعة الاقطاع والسلطات الرجعية عبر المتغيرات الاجتماعية التي اقتضتها ظروف غليان تلك المرحلة العارمة، مما حدى بصحف يسارية ايضا لاتخاذ موقف متجاهل من اشعاره واخباره للعامل نفسه.
كانت اغلب قصائده محفوظة عن ظهر قلب في ضمير جيل كامل، دأب على كتابة تلك القصائد في دفاتر خاصة لايزال يحتفظ بها العديد من افراد ذلك الجيل، ناقلين من ابياتها اطرافا حلوة الى نصوص رسائلهم الغرامية ، بالاضافة الى الكاسيتات المهربة والمسجلة بصوته الشجي والتي كانت زادا للجلسات الخاصة بين الشباب المثقف ، ولم يسبق لديوان شعري في السابق او في اللاحق ان نفدت طبعاته المتوالية قبل وصوله بطائرة الشحن كديوان الريل وحمد.

وعي البداية :

من يتتبع المسيرة الشعرية لمظفر النواب يكتشف ان محيطا نقديا ووعيا صارما قد وضع الشاعر نفسه فيه منذ بداياته من حيث مساءلته لبناء القصيدة او مظهرها التشكيلي ونسقها الشعري المدهش ضمن خطاب حداثوي متحرر ومنجز جمالي اوقد وجدانا حميميا بين ملامح جيله واعماق الذاكرة الجمعية لشعب كامل ، جعلت منه شجرة رمز باسقة في روضة الغناء الشعري العراقي ، وبات عصيا لمن يتقصى اثر سقطة او هنة في تلك اللجة الفوارة او النظام المتناسق في خطابه الشعري المتمكن والذي لايشبه احدا الا نفسه ، وذلك كما اشرنا بسبب تعامل الشاعر المحكم والمحاسبة الدؤوبة للنفس وعدم تساهله في موضوعته وبنائها الخاص والعام او توافق شكل القصيدة ومضمونها ووحدة وخصوصية الاجواء والية تكونها وتمظهرها حيث اكسبته تلك المهارة التي قل نظيرها تفردا بين شعراء العامية الكبار في الدول العربية ،ومهدت لشهرته اللاحقة كأحد ابرز شعراء العربية الاستثنائيين. وربما كان تردده الاول امام (صلاح خالص) و (علي الشوك) وهو يطلعهما على قصيدته الاولى للريل وحمد التي كتبها بين اعوام 1956-1958 هو الهاجس الذي اعتمده النواب طيلة حياته الشعرية ، ولم يتوقف احد بالفعل على بداية منشورة له في أي مكان اخر ، ومن المرجح انه ابتدأ كتابة القصيدة العمودية منذ ذلك التأريخ ولعل قصيدة (حمدان يارب القرامطة) وهي احدى قصائده المنسية ،كانت من تلك البدايات ، فالنواب دائما ينسب في ذكرياته اطلاعه الكامل على الشعر العربي في مختلف عصوره وخصوصا شعر المتنبي والمعري ومنذ بدايات تكونه الشعري ، يشهد بذلك انه خريج دار المعلمين العالية قسم

اللغة العربية. وكما عرفنا ان زهو قصيدة النواب وتدفقه الشعري العامي، كان حصيلة فورة شبابه الاولى ، رأ ينا ان استقرار العمر قاده الى الفصحى بكافة تلاوينها ، سيما وان دأب الشاعر على ارتياد خط تطور شعريته الخاص ومغامرته في خوض اجواء تهكمية لم تألفها القصيدة الحديثة وان لم تبتعد عن توجهات قصائده العامية ومنظوراتها يسرت لاكتشاف طريق العازف المنفرد، اضافةالى تمثله وانحيازه عبر اشعاره ومواقفه للحرية والعدل والجمال ، والحق ان قصائده التجديدية في الشعر الشعبي برغم نفيها للطريقة التقليدية القديمة وأغراضها لدى ممثلها الاكبر الحاج زاير واقطاب جيله، الا انها تستعيد اشكالها وتتبنى عين تراتبيتها وحتى تفعيلاتها ، ولكن ممارستها لتجريبيتها الداخلية اعانتها على اكتشاف طريقتها الخاصة في تكوين الذوق الشعري الجديد والتهيئة له.

مقالات ذات صله