هيت.. ما بين الجفاف والإرهاب.. كانت تسمى فاتنة الفرات

الجورنال – خاص

هيت… حاضنة التاريخ  وعروس الفرات الابدية، هذه المدينة القديمة حد جذور الزمن الاول، وانت تسير بها تكاد تشم عبق التاريخ وتلامس اوجه الراحلين التي  ما زالت تحوم فوق سماء المدينة، تقع على الضفة الغربية من نهر الفرات الى الشمال من مدينة الرمادي بمسافة 70 كم، وتبعد عن بغداد مسافة 190 كم، يبلغ عدد سكانها 75 الف نسمة من عشائر العرب الاقحاح كالغساسنة والمحامدة والبونمر والكرابلة والبوعساف والبو علي الجاسم والغرير وشمر والجغافية والجواعنة والعبيد والعبدلة والسعدي والبو حيات والمناذرة والقيسيين والدواسر وغيرهم. أما سكان القضاء بأجمعه (أي مدينة هيت والنواحي والقرى التابعة لها) فيبلغ سكانها أكثر من 120 الف نسمة، تعد من أهم مدن التاريخ الإنساني القديم، كانت من مدن المناذرة، يكثر في مدينة هيت بساتين النخيل والفاكهة وهي ذات خيرات واسعة، كانت منطقة هيت تمثل منخفضاً مائياً في عصور قديمة سحيقة وكانت المياه تتجمع من روافد الفرات وفيضان ضفتيه بالإضافة إلى موسم الأمطار والمنابع المائية لتشكّل ارضاً خصبة صالحة للزراعة وخاصة الخضراوات والفواكة والحبوب. وكان السومريون منذ عصر فجر السلالات قد اكتشفوا وجود القار في هذا المكان، واستعملوه في تقوية بناء الزقورات. كما عرف السومريون وسائل من شأنها الأرتقاء بخصائص القار ليناسب أعمال بناء الأسس وتزفيتها أو تقييرها وكذلك صنع القوارب واكساء ارضيتها بالقار لمنع نفوذ الماء. ونشأت في هيت تربة زراعية منذ الألف الرابع قبل الميلاد. وفي عهد الإمبراطورية الاكدية حينما قام الملك سرجون الاكدي (2334- 2279 ق.م)، بتوحيد العراق القديم فضم إلى دولته المدن السومرية المنتشرة في جميع أنحاء بلاد سومر وسار غرباً متوجهاً إلى بلاد كنعان (سوريا) ووجد قرية زراعية فسيحة الارجاء استقر فيها جيشه الزاحف غربا ودعاها توتول أي مدينة الدلاء، وهذا هو أول اسم عرفت به هذه البلدة. وتتوضح أهمية البلدة فيما سجله سرجون نفسه ذاكراً ان الآلة (داكان) اعطاه المنطقة العليا التي تشمل توتول وماري عاصمة الأقوام الأمورية الأولى التي كانت لا تزال تسكن في اعالي الجزيرة الفراتية. وبعد سرجون الاكدي خلفه ابنه نرام – سين (2291- 2255 ق.م.) الذي شن بدوره حملات عسكرية في غرب بلاد سومر واكد لتثبيت ملك والده. وفي نص اكدي مسماري مدون على تمثال برونزي من العصر الاكدي إشارة إلى أن انتصاراً حققه الملك نرام- سين على عدة مدن مهمة منها توتول سيف الآلة داكان. على أن ضعف الملوك الاكديين الذين جاءوا بعد نرام سين، ساعد على قيام ثورات في دويلات المدن السومرية، مما شجعها على التوحيد وتأسيس مملكة سومرية تضم معظم العراق القديم وذلك سنة (2120 ق.م.). واتسعت هذه المملكة السومرية لتشمل مدن نهر الفرات الغربية حيث تمتعت تلك المدن بالاستقلالية من ضمنها مدينة توتول. وفي عام (1950 ق.م) تقريباً مدت المملكة – ماري المدينة قرب حدود بلاد الرافدين، نفوذها لتشمل حوض الفرات مع الخابور. وفي عهد ملكها لكت – ليم وصلت سيطرتها إلى مدينة توتول وخانات أو عانات، على الرغم من أن الملك السومري الأخير اقام سداً يمتد من هيت وعانا حتى بحيرة الحبانية لصد الأقوام الأمورية الزاحفة من جهة الغرب ولكن بدون جدوى. وفي سنة (1850 ق.م) استطاعت مملكة اشنونا التي نشأت في اعالي نهر ديالى تحت حكم ملكها (ابيق – ادد) ان توسع مملكتها لتشمل منطقة الفرات من جديد. وكان من جملة المدن التي احتلها هي توتول وبعد أن ضعفت مملكة اشنونا، قامت مملكة ماري بتوسيع نفوذها إلى مدينة خانات وربما وصلت إلى مدينة توتول، ثم زحفت الأقوام الأمورية القادمة من ماري ومن الصحراء الكنعانية (السورية) واستقرت حول بلدة باب – ايلو (بابل) السومرية. ومن هناك شرعت بتكوين دولة جديدة في جنوب ووسط العراق القديم وأشهر ملوكها كان حمورابي وذلك في القرن الثامن عشر قبل الميلاد ثم اعقبتها سيطرة اقوام برابرة هم الكاشيون أو الكاسيون (1650- 1157 ق.م) الذين استولوا على مملكة بابل العظيمة لمدة تقارب الخمسة قرون. وظلت مدن الفرات يتنازعها كل من البابليين والكاشيين ومن ثم الآشوريين من بينها مدينة رابيقوم.و في العصر الآشوري القديم وفي عهد الملك تكلات – بلاصر الأول (1115- 1077 ق.م) سميت هيت (ايرو) وصارت واحدة من الأقاليم المهمة التي كان عليها إرسال كمية من الضرائب المفروضة عليها إلى ذلك الملك في العاصمة آشور. وفي فترة توسع الآراميين في القرن الحادي عشر استولوا على بعض مدن الفرات الغربية ومنها هيت قبل أن يزحفوا إلى أقصى جنوب العراق ليستقروا قرب الخليج العربي. ترسخت الإمبراطورية الآشورية الجديدة عام (911 ق.م) فأستولت على معظم مدن الفرات الشمالية والغربية من بينها مدينة ايرو أي هيت ،ووجدت رقم طينية تذكر مدينة ايرة قرب منابع القار في عهد الملك نوكولتي ننورتا الأول (890-884 ق.م) وذكر في هذه النصوص الآشورية ان الجنود كانوا يسمعون اصوات الالهة المنبعثة من مواضع وقباب سميت (اشمينا) وهي إشارة إلى خروج الغاز الطبيعي المصاحب لمنابع القار القريبة، ولعل اشمينا يعني صوت القار. وكانت المدن العراقية ومنها هيت قد سميت في هذا العصر اتوم أو هيتوم بمعنى القار، ومنها جاء اسم هيت الحالي. وقد أعد أحد الملوك الآشوريين وهو(شمش – ريش – أو صور) في مدينة (بقة) قاعدة لجيشه، وتقع مدينة بقة غربي مدينة هتيوم. ويذكر ان الملك البابلي – الكلدي نبوخذ نصر قد حفر ترعة بين هيتوم وحتى رأس الخليج بطول 400 كم كما ذكرت إحدى الرقم ، وذكر المؤرخ ديودورس الصقلي ان سبب بقاء قصور وبنايات بابل لبضعة قرون يعود إلى أن أسسها كانت تخلط ليس بالقار مع الطابوق، بل بالكبريت الوفير ثم تفرش مؤقتة طبقة سميكة من صفائح الرصاص بحيث تمنع وصول الرطوبة إلى أسس القصر والمعبد. وقد أستخدم القار في هيت كمادة أيضاً للتحنيط وذلك لحفظ اجساد بعض الملوك والأمراء في العراق القديم اعتبرت مدينة هاتوم طيلة العصور الاكدية والسومرية مدخلاً للعالم السفلي حيث مسكن الآلهة داكان، وقد حضر الملك سرجون الاكدي إلى المدينة وقدم القرابين إلى اله العالم السفلي الممثلة بالإله داكان وكذلك فعل الملك الآشوري (توكوتي ننورتا الثاني). و قد ظلت هاتوم جزءاً من الدولة البابلية- الكلدية حتى سقوطها في عام (539 ق.م) وقد سمى المؤرخ الأول هيرودتس مدينة هاتوم بـ(أس) وسماها غيره من اليونانيين باسم اسيوبوليس اما في العصر الفرثي فقد بدأت المسيحية في الانتشار في العراق والخليج وميشان. وصارت هاتوم تمثل آخر حدود بلاد الرافدين ، وذكرت هيت في المصادر اليونانية والرومانية باسم ( اينو ) وهو الاسم الذي منح البلدة اسمها وان اختلفت تسميتها عبر العصور المتلاحقة .

وقد استورد المصريون النفط من العراق وخاصة من مدينة هيت ابرز المدن العراقية في تجهيزهم بتلك المادة وذلك لاستخدامه في صنع وتحنيط المومياء .
وفتحت هيت في زمن الخليفة عمر بن الخطاب (رض) عام (16) هجرية وشاركت في النهضة الحضارية التي عمت بلاد الرافدين واعالي الفرات حتى الشام ولها دور فعال في البناء والتاريخ .
وتعتبر من المراكز الثقافية في العصور الإسلامية وقد ذكر من رواة الحديث والعلم في معجم البلدان الجزء الثاني أن الشيخ عبد الله بن المبارك كان أحد أعمدة العلم والحديث المشهورين في هيت والذي توفى ودفن فيها، ومن أقواله في العلم ” أول العلم النية ثم الاستماع ثم الفهم ثم العلم ثم الحفظ ثم النشر ” ويمثل مكانة عالية في نفوس طلابه لخلقه وأدبه وكرمه .
وهناك شخصيات إسلامية لها مكانتها المرموقة في تاريخنا الإسلامي من أمثال و( اويس القرني ) وهو من المؤيدين للإمام علي بن أبي طالب (رض) استشهد في معركة صفين . والشيخ ابو يزيد البسطامي والمدفون في قرية بهيت.
ولأهمية هيت التاريخية فقد حفر فيها الخندق المشهور بجري سعدة أو خندق سابور الذي يأخذ الماء من الفرات وينحدر حتى مدينة البصرة ولا يزال فوهة هذا الخندق على الضفة اليمنى للفرات .
وقد وجدت رسوم الناعورة في التحف المنقولة وفي الرسوم الجدارية.ففي مخطوطة ( بياض ورياض ) المحفوظة في مكتبة الفاتيكان وهي من القرن السابع الهجري 13 م وفي رسوم يحيى الواسطي الفنان العراقي الأول ضمن منمنمات مقامات الحريري المؤرخة سنة 1337 المحفوظة في دار الكتب بباريس في فرنسا والرسم عبارة عن صورة توضيحية للمقامة الرابعة والعشرين ويلاحظ في الرسم مجموعة من الرجال في مجلس طرب وانس يجلسون حول ساقية تصب فيها مياه النواعير*.
وكانت هيت من المراكز المهمة في العصور الإسلامية وبهذا المعنى أشار ياقوت الحموي ( أن سقى الفرات كورا من الانبار و هيت قد نسب إليها قوم من رواة العلم في معجمه ) وكذلك ارتبطت هيت بالقرى المجاورة لها بعدة طرق منها القوافل التجارية والمواصلات التي كانت تسلكها الحملات العسكرية من الشرق إلى الغرب .
وذكرت هيت في كتب التاريخ والأدب .. إذ كانت منتجعا ومصيفا رائعا لجمال طبيعتها وهوائها العليل وصوت نواعيرها الشجي وخاصة في ليالي الأنس وتربتها الخصبة في انتاج فواكه وخضر ذات نكهة طيبة كما ذكرها السبنسي شاعر سيف الدولة.

  ، واول ما يلفت الانتباه في مدينة هيت هو قلعتها الخالدة تلك القلعة التي وصلت اراء الناس فيها الى تخوم الاسطورة ، فمن قائل ان هذه القلعة كانت قد بنيت منذ قديم الزمان على تلة مرتفعة في آلية من اهل المدينة لحماية انفسهم، ومن قائل ان سبب ارتفاع القلعة هو ان الناس وعلى مر العصور كانوا اذا آ ل بيت احدهم الى السقوط نقضوه واقاموا على أنقاضه بيتا جديدا وهذا الراي يبدو قريبا من روح اهل المدينة من المهتمين بالتاريخ لها يقول الحاج نجاح ساسون- ينحدر من عائلة يهودية معروفة في هيت وقد اسلم عام 1987 واصدر كتابا عن تاريخ هيت – ان الرأي القائل بتراكم البيوت بعضها فوق بعض له ما يؤيده من وجود سراديب في داخل القلعة تفضي بك الى اسفلها ، وتتكون القلعة من بيوت تتراوح مساحاتها ما بين 20 الى 80 مترا وتتميز ازقتها بالضيق اذ يبلغ عرض الزقاق من 1،5 الى 2 متر ومع الضيق الواضح في البيوت والازقة الا ان الطرز المعمارية في هذه القلعة ما زالت واضحة لتؤكد تعاقب اجيال كثيرة عليها. هل يعكس هذا التقارب بين الازقة وبين البيوت تلك الروح الحميمية التي كانت تسود الناس انذاك والتي ماتزال اثارها بادية الى اليوم في رقة الهيتي وطيبة قلبه ؟ ام يعكس هذا التقارب خوف الناس المستمر من الغزوات  والحروب والغارات ؟ وعلى كل حال فيبدو ان حب الناس لمدينتهم له ما يبرره. ويتفق الجميع على ان مدينة هيت القديمة تتكون من الولاية وهذا الاسم الثاني للقلعة حيث تنتصب فوقها منارة عالية تعرف باسم منارة الفاروق ويعتقد الناس انها موجودة هنا منذ زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، اما الجزء الثاني الذي تتكون منه المدينة فهو (القلقة) سالت الناس عن سبب تسميتها بهذا الاسم وانهالت علي الاجوبة كثيرة متعددة تعدد المعاني التي يثيرها عمل فني خالد فمن قائل ان سبب التسمية يعود الى ان غالبية ارضها تتكون من الحجر الصغير (القلق) ومن هنا جاءت التسمية ، وهناك اخرون يرون ان سبب التسمية راجع الى افتقار القلقة لسور يحميها من غارات الاعداء المحتملة لذلك يظل الناس في قلق وخوف، وهناك من ارجع السبب الى حركة  اهل المدينة المستمرة من والى القلعة كلما احسوا بالخطر قريبا منهم، ما يميز مجتمع مدينة هيت عن غيره من تجمعات العشائر هو كونه مجتمعا مدنيا فالنظام الاجتماعي قائم على البيوتات وليس على العشائر ، والتعليم كان قد وجد سبيله الى هذه البلدة منذ بدايات القرن المنصرم  وللناس هنا اهتمامات علمية وثقافية وهذا ما يؤكده الكم الهائل من حملة الشهادات العلمية الى جانب وجود متحف يؤرخ لحياة مدينة هيت الثقافية والاجتماعية جمعه الحاج حمدي عفتان شندي يشتمل على نفائس تراثية تؤرخ لهذه المدينة العريقة، وتشتهر مدينة هيت بكثرة العيون المعدنية سواء الكبريتية منها ام القيرية ففي هذه المدينة عين كبريتية تدعى ( عين الجربة) يستخدمها اهل المدينة لمعالجة الامراض الجلدية، وهناك عين القير التي تدعى (عين السيالي) وهي اكبر عين للقير في المدينة، وتوجد في مدينة هيت واحدة من أقدم المنارات التي بنيت في زمن الخليفة عمر بن الخطاب (رض) .. وتحت ثراها يرقد حفيد الإمام موسى الكاظم (ع) .. ونواعيرها (تحفة) الفرات التي روت أجمل البساتين.. وقيرها بنى حضارة وادي الرافدين ، كما ان للمساجد اثرا عمرانيا قيما لهذه المدينة حيث بني أول مسجد في مدينة هيت من قبل القائد المسلم الحارث بن يزيد العامري في سنة 17 ه / 639 م في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وسمي بجامع الفاروق وقد اعيد بناؤه عدة مرات، ويقع على مرتفع من الأرض، وتعلوه مئذنة بأرتفاع 25 متراً ذات حوض أسطواني واحد مغلف بالنورة، حيث كانت المنارة برجاً للمراقبة قبل الإسلام، وما زال المسجد قائماً في حين تهدمت كنيسة هيت وزال معها عدد من الأديرة المسيحية القديمة ، ولاكن لن يزول سحرها وجمالها من صفحات التأريخ .

مقالات ذات صله