نقطة..مزّق الصفحة !!!||بقلم لميس الكعبي

الصراع  الذي يشهده الشرق الاوسط حوّل المنطقة الى بركان هادر زاده إشتعالا تكالب الدول العظمى التي تضع مصالحها دائما فوق كل الاعتبارات. وبما أن العراق يحتل مكانة إستراتيجية في منظومة المنطقة بتاريخه وحضارته وثقله السياسي فإن معظم الخطط ما علمنا منها وما خفي، تستهدفه بصورة مباشرة لإستنزاف خيراته والحيلولة من دون إستعادته لعافيته. لكن أخطر ما في كل هذه الخطط إستهداف وحدة العراق والعمل على تفكيكه في مناورات ومحاولات بعضها يعزف على وتر الطائفية وأخرى على الجهوية بينما يرسم آخرون مستقبل العراق الممزق وفق رؤيتهم الخاصة وكلهم ثقة أنهم سيحققون هدفهم المنشود وتتجسد الخارطة الجديدة التي رسموها للمنطقة عموماً والعراق خصوصاً.

الوضع الخاص الذي يعيشه العراق حالياً ومرحلة المخاض التي يمر بها بعد الاحداث التي عاشها جعلت لعاب الكثيرين يسيل، خاصة ان الكل يدرك جيداً الخيرات الوفيرة التي يتمتع بها العراق والتي اسالت لعابهم فانطلقوا يعملون في العلن والخفاء لتمزيق العراق وهم يظنون أن تحقيق هدفهم أضحى على مرمى حجر، بل يراه البعض واقعاً سيتحقق لا محالة بينما هو في الواقع على بعد سنوات ضوئية بل قرون ضوئية لأنه وبكل بساطة  المستحيل بعينه وشحمه وعظمه، نعم انه المستحيل يتجسد على ارض الواقع وبأدق تفاصيله وكل من يرى او يعتقد غير ذلك فهو مخطئ و التاريخ خير شاهد.

العراق ليس وليد هذا القرن أو الذي سبقه حتى يتوقع البعض انه هش غض يمكن تمزيقه، بل تمتد جذوره في كبد التاريخ، فهو مساهم رئيسي في الحضارة الإنسانية منذ مهدها، وفي مشوار تاريخه الطويل كانت وحدته مقدسة تنبض بها قلوب الكل. فحينما يتعلق الامر بالوطن تصمت الطائفية والجهوية وكل النعرات الاخرى ليتحدث الكل بلغة العراق الواحد في صف واحد وامامنا هذه الايام صورة ناصعة تؤكد ذلك حيث نرى حركات شعبية تضم في صفوفها شباباً من مختلف مناطق العراق ومن مختلف المذاهب تساند الجيش العراقي  في مواجهة حركة داعش التي تحاول أن تبني لنفسها دولة في مناطق من العراق، وهو هدف لن يتحقق لأنه حينما تكون وحدة العراق في خطر فإن العراقيين ولو كانوا في  أقصى حالات الاختلاف، فانهم يضعون اليد في اليد ويقفون صفاً واحداً ليئدوا كل محاولة لتمزيق الوطن.

كل من يتابع  الأحداث ويحلل الوضع في المنطقة بعمق ووفق التطورات التي يشهدها فإنه سيلاحظ من دون شك أن الضغط على العراق يزداد من يوم لآخر خاصة مع ما شهدته البنية التحتية للعراق من دمار خلال الاحداث الأخيرة وكذلك  الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها العالم و إنخفاض أسعار النفط الذي يمثل رئة إقتصاد العراق، حيث إنعكس ذلك كله على معيشة المواطن وهو الوتر الذي يحاول البعض العزف عليه، مؤكدين أن هناك مستقبلاً وردياً وجنة موعودة إذا تحققت أهدافهم وهم لا يدركون أن الصبر تلميذ في مدرسة الإنسان العراقي الذي يعتبر الوطن مقدساً ووحدته لا تمس وحينما يشعر أن وطنه في خطر فإنه يهب وهو يحمل كفنه ليقدم درسا في الوطنية بلغة الميدان.

المواطن العراقي المعروف بطيبته وكرمه وروحه النابضة بالمحبة والتسامح كان دائماً وأبداً وعلى مر التاريخ الأسد الهصور الذي يزأر وبشراسة حينما يشعر أن وحدة الوطن في خطر. ولا شك أن المرحلة الحرجة التي تمر بها المنطقة عموما والعراق خصوصاً جعلت الكثيرين يظنون أن مآربهم التي تترصد خيرات العراق، ما ظهر منها وما بطن، ستتحقق وخططهم ستتجسد ليقتسموا الكعكة لكنهم واهمون وصفحات التاريخ السابق واللاحق تؤكد ذلك لأن العراق دم يسري في شريان الجميع وحينما تكون وحدته في خطر ينسى الكل خلافاتهم ويضعونها وراء ظهورهم ليقفوا صفا واحدا فداء للوطن.

لا شك أن كل الذين يستهدفون وحدة العراق، سواء من الداخل أو الخارج  قد بنوا خططهم وفق قراءتهم للوضع ورؤيتهم الخاصة وكأني بهم يستنسخون تجارب تم تطبيقها في مناطق اخرى حيث تحولت دول إلى دويلات، وإذا كان الكثيرون يراهنون ان هذه المرحلة هي أنسب وقت لتحيق أمنيتهم وأن تجزئة العراق قد أضحت واقعاً وتجسيده مسألة وقت فقط، فانهم ومن دون شك يعيشون الوهم وأحلام اليقظة لأن الانسان العراقي يتحدث في كل الأمور ويناقش مختلف الآراء والرؤى بروح متفتحة الا حينما يتعلق الامر بوحدة الوطن فهو يضع نقطة نهاية ولا يقلب الصفحة بل يمزقها. واتذكر دائما وبفخر ما قاله لي دبلوماسي غربي عاش فترة في العراق جمعتنا دردشة على هامش مؤتمر دولي حضرته في احدى العواصم الاوروبية حيث أثنى كثيراً على الانسان العراقي مؤكداً ان العراق جامعة مفتوحة في حب الوطن.

مقالات ذات صله