نعي الديمقراطية

أحمد سعداوي

من التداعيات المتسارعة على أحداث تفجيرات داعش في باريس، أن هناك أصواتاً من الاوساط السياسية الغربية، ومن معلقين وكتاب أعمدة في الصحف الاميركية والأوربية، صارت تتحدث بلهجة منفعلة عن أخطاء السياسة الغربية في التعامل مع قضايا الشرق الأوسط خلال السنوات الماضية، وأنها كانت من مسببات تعاظم موجهة الإرهاب التي صارت وكأنها أكثر كفاءة ومرونة، على الأقل منذ الحرب المعلنة على الإرهاب عقب أحداث 11 سبتمبر 2001.

فهذا توماس فريدمان يخيّرنا، كعرب ومسلمين، ما بين أمرين؛ إما نموذج السيسي أو داعش. كما إن أصواتاً في صحف أوربية عديدة نعت فشل سياسة “دمقرطة” الشرق الأوسط، والتي ابتدأت عملياً بإسقاط نظام طالبان في افغانستان ثم نظام صدام في العراق، ثم تشجيع ودعم موجات الربيع العربي التي أزاحت ديكتاتوريات تقليدية وعتيقة في ثلاثة بلدان في الشمال الافريقي واليمن، وتلكأت عربة الديمقراطية في سوريا وانغرزت عجلاتها في وحل داعش.

الرؤية السابقة التي تبناها المحافظون الجدد في اميركا عن فاعلية الديمقراطية في امتصاص التطرف الاسلامي، واعادة تحريك عجلة التنمية في بلدان ارهقتها أنظمة فاسدة ومستبدة، واعطاء متنفس اجتماعي وثقافي للتعبير والمشاركة في السلطة والثروات وصنع القرار. هذه الرؤية لم تؤدّ الى النتائج المرجوة، بل فجرت الصراعات الأهلية، ثم قادت الاسلاميين الى واجهة العمل السياسي، واستخدموا عربة الديمقراطية كوسيلة ليس إلا للامساك بالسلطة ومن ثم الالتفات والاجهاز على الديمقراطية نفسها.

وكأن لسان حال الكثير من المعلقين يقول: كان علينا أن لا نحرك هذه البركة الراكدة. فالمخفي تحتها ألعن مما يظهر على سطحها. وهذه الرؤية يتم تداولها الآن في الحديث بشأن مصير نظام الأسد في سوريا، وهل من المفيد حقاً لأوربا والعالم الغربي أزاحة الديكتاتور هناك لصالح جماعات سياسية ضعيفة، يمكن ان تنهزم بسهولة أمام المد الاسلامي الاصولي، والذي تبدو داعش مجرد فصيل فيه.

ومن يراجع مثلاً ما نتج عن مؤتمر فينا الأخير بشأن اقرار التسوية السياسية في سوريا، سيلاحظ ارتباكاً واضحاً وجدلاً غير محسوم بشأن من هي الجماعات التي يجب أن نصنفها على انها معارضة، والجماعات يجب أن تصنّف على انها جماعات ارهابية.

لا شك أن الغرب غير قادر اليوم على تحجيم ثقافة التطرف والارهاب. وقد تؤدي الحماسة الجديدة ودخول فرنسا بقوة كطرف عسكري في ضرب مقرات داعش وامكانياته اللوجستية، الى اضعاف هذا التنظيم الارهابي، ولكن الطيران وقاذفات الصواريخ لن تستطيع انتزاع ثقافة التطرف من نفوس مئات الآلاف من المتعاطفين في العالم الاسلامي إن لم نتجرأ ونقول الملايين مع الحركات الجهادية، ولأسباب مختلفة ومتعددة.

وما دامت البلدان الاسلامية لا ترى مشكلة في رواج ثقافية الكراهية والعنصرية والتطرف، وما دامت غير قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة في تنمية الثقافة النقدية وتعزيز حقوق الانسان ومنح الحريات الدينية، فإن الغرب سيبقى يضرب في المتطرفين ونبقى نحن ننتج لهم أجيالاً جديدة ربما أكثر ذكاءً ومهارة من المتطرفين.

نعي الديمقراطية اليوم وعدم الاكتراث لما تمثله الانظمة الديكتاتورية القمعية من مشاكل كان الغرب نفسه ينتقدها سابقاً، هو أمر مؤسف ومخيف. والتعامل معنا على أننا شعوب ميؤوس منها، هو أمر مؤسف أيضاً، واللوم في كل ذلك لا يوجه الى طرف واحد. إنه يشملنا جميعاً؛ دولاً كبرى ومصالح رأسمالية، وشعوباً عربية واسلامية ونخباً سياسية تعيش في مستوى متدنٍّ جداً من الشعور بالمسؤولية.

وقد تكون الصورة المروعة التي نعيشها اليوم درساً للجميع كي يكفوا عن دعم المغامرات والتجريب بـ “راس” الشعوب. وأن ينظر الغرب في قائمة حلفائه في المنطقة ويراجعها جيداً. فمن تحت عباءة هؤلاء الحلفاء اندلعت النيران لتحرق المنطقة كلها.

مقالات ذات صله