منطقة الفضل تأريخ بغداد المضيء

الفضل احد احياء بغداد القديمة التي مازجت بين الموروث المكاني والحاضر الآني سمي هذا الحي بالفضل نسبة إلى جامع انشأ بالقرب من قبر الفضل بن سهل بن بشر الشافعي الواعظ البغدادي المتوفي سنة 548 هـ . وقيل نسبة إلى الفضل بن الربيع حاجب هارون الرشيد ويعتبر من أحياء بغداد القديمة، ويقع في جانب (الرصافة) الذي أنشأه أبو جعفر المنصور في الجانب الشرقي من دجلة.

وأوكل أمره إلى ابنه المهدي، وشيد فيه جامع الرصافة أكبر مساجد بغداد العباسية، بعد جامع المنصور في الجانب الغربي. وقد زال جامع المنصور تماما حتى لا يعرف أحد موقعه الصحيح. أما جامع الرصافة، فانه قد نال حظه الكامل من التدمير، ولكن بقيت منه بقايا هي (جامع الفضل) الذي لا يزال يحتل موقعه في وسط بغداد الشرقية، ويؤدي دوره ليس بيتا للعبادة فحسب، بل ومدرسة للتعليم ودار للندوة لأهل الحي. وقد شيدت حول صحنه غرف كثيرة لإيواء طلبة العلوم الدينية، ويحتل ركنا من أركانه ضريح (الفضل) الذي يعتبره الناس أحد (الأولياء)، ولم يعرف عنه أحد أكثر من ذلك الوصف، ويقال أيضاً أنه ضريح الأمير (الفضل بن عبد الملك الهاشمي العباسي) الذي كان من أكابر أعيان بني العباس، ومن علمائهم وكان (صاحب صلاة) بمكة والمدينة وإمام جامع الرصافة المشار إليه، بل كان يشغل منصب أمير مكة في موسم الحج، وقد حج بالناس نيابة عن الخليفة بصفته أميرا للحج لعشرين سنة، ثم توفي في بغداد سنة 307هـ/919م ودفن في هذا الجامع الذي كان إمامه، ولا يزال الناس رغم مرور مئات السنين يزورون ضريحه ويترحمون عليه. وقد كان هذا الجامع دائما موضع العناية حيث أجريت إليه قناة من ماء دجلة (ويبعد عنه كيلومترين)، وتنتهي في بركة تجاوره مسقوفة بقبة قائمة إلى عهد قريب، وكانت القناة تمد بالماء ليس المصلين فحسب، بل وأهل الحي أيضا، مثلما كان الوضع بالنسبة لقناة جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني. وهكذا فجامع الفضل يتمتع بمكانة مقدسة لدى الناس، وتضم الفضل العديد من المناطق او المحلات منها العزة والقره غول والسيد عبدالله والدركزلية والجوبة والمهدية وحمام المالح.. من اهم القبائل التي سكنت في الفضل الكروية والبيات والعبيد والعزة.. وان حدود منطقة الفضل ما بين محلة الحيدرخانة ومحلة الميدان والقشلة ومحلة قنبر علي ومحلتي راس القرية وباب الشيخ..وتشتهر بمقاهيها التي ظلت اسماؤها راسخة في اذهان البغادلة منها مقهى (التبانة) وكان يقدم فيه لابن الحجامة الهزلي المشهور والفكه (منصور) بعض المشاهد التمثيلية الضاحكة.. مما يؤكد انها اول منطقة بغدادية عرفت الفن.. لاسيما ان من ابنائها المهمين فيما بعد كان الفنان الكبير والرائد المرحوم (حقي الشبلي) وكذلك الفنان (عبدالله العزاوي) والفنان البغدادي الاصيل (فخري الزبيدي) صاحب البرنامج الشهير (صندوق السعادة) بالاضافة الى كتبه الاثيرة عن بغداد ومحلاتها الى جانب دوره المعروف في تأسيس (المتحف البغدادي) حين كان يعمل في امانة العاصمة. كذلك تشتهر مدينة الفضل بالملايات اللاتي ينقلن الماء من الاحواض الى البيوت مقابل ثمن زهيد.. لاسيما بعد ان قام الوالي سري باشا في عام 1889 بانشاء حوض كبير للماء كي تتزود منه الناس بالماء الصالح للشرب. ومن ميزات مدينة الفضل وجود حصن باب الطلسم الذي بنته الدولة العباسية ايام الخليفة ابو جعفر المنصور باني مدينة بغداد المدورة.. ثم اتخذته الدولة العثمانية بعد احتلال العراق كمخزن للعتاد والاسلحة.. وكان باب الطلسم ملاذا للاشقياء من اهل المحلة واشهرهم (طه بن الخبازة) وكان الاشقياء يتباهون به ويقولون عنه (احنه اولاد الطلسم باب) ويقصدون من ذلك انهم الابناء الشجعان الذين لا يرهبون الموت ويلوذون بالطلسم.. وقد ظهر في منطقة الفضل العديد من المشاهير في الفن والشعر والادب لعل ابرزهم الشاعر الكبير (جميل صدقي الزهاوي) والفنان (حقي الشبلي) و (ابراهيم شندل) الذي أسس اول اطفائية في العراق عام 1918 وكذلك من ابناء المنطقة الخطاط (هاشم البغدادي) والنحات الكبير (خالد الرحال) والنحات المهم (جواد سليم) والفنان الرائد (فايق حسن) والشاعر المعروف (عبدالكريم العلاف) صاحب الملفات التراثية والموسيقية والشعرية منها كتاب (قيان بغداد) وكتاب (محلات بغداد القديمة) التي يذكر فيه منطقة الفضل – وكذلك قارئ المقام احمد الزيدان ومطرب المقام ذائع الصيت يوسف عمر، وعلى الرغم من كثرة أسواق حي الفضل، فأن ما غلب عليه هو الاهتمام بالعلوم الدينية والتصوف، ففيه (تكية آل الشيخ قمر) حيث يجد الفقراء والغرباء الملجأ للمبيت وتناول الطعام، علاوة على الغذاء الروحي. وقد برز فيه واحد من كبار المشايخ هو الشيخ محمد سعيد النقشبندي المتوفي سنة 1830م الذي يعد في زمانه ابرز مشايخ الطريقة النقشبندية في بغداد، علاوة على تضلعه في علم الحديث. وقد ورث عنه مركزه حفيده الشيخ بهاء الدين النقشبندي الذي كان من أكابر الفقهاء علاوة على  تمثيله حي (الفضل) في البرلمان العراقي طيلة العهد الملكي. ولكن ابرز الشخصيات الدينية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين هو العلامة عبد الوهاب النائب العبيدي المتوفي سنة 1927، وكان من أعيان العراق وغزير العلم بالفقه والأدب، وقد شغل منصب الأستاذية في (جامعة آل البيت)، وذكر انه انشأ عدة مدارس من ماله الخاص. وله تصانيف كثيرة، منها الإلهام في تعارض علم الكلام)، ومنظومة في المنطق، وديوان خطب منبرية وغيرها. كما أن له ابنا هو علاء الدين النائب، الذي شغل منصبا عاليا في القضاء المدني. ومن البارزين من العلماء في هذا الحي الشيخ عبد المحسن الطائي، وابنه الشيخ كمال الدين مؤسس (جمعية الهداية الإسلامية) ورئيس تحرير مجلتها. وبرز من أهل المنطقة عدد من القراء لتلاوة القرآن الكريم، أبرزهم الشيخ مهدي بن فزع العزاوي، الذي كان أول من تلا القرآن في إذاعة بغداد عند افتتاحها سنة 1934، وهو عادة يترأس مجالس تلاوة قصة المولد النبوي، ليس في جامع الفضل فحسب، بل وفي البيوت أيضا، عند إقامة تلك المجالس بمناسبات الأفراح والأتراح، ويشاركه في ذلك مساعده (ابن شعبان) أحد أبناء الحي. ثم هناك أسرة (آل القدسي) التي تخصص أبناؤها في إحياء حلقات الذكر، ومن أبناء حي الفضل، الشيخ عبد القادر القيسي، خطيب جامع الإمام أبو حنيفة النعمان، وأستاذ علم القرآن في الكلية الملحقة بالجامع، وهو أيضا من عائلة دينية، إذ كان أبوه الشيخ عبد الرزاق من كبار العلماء (ومن عائلته الوزير جميل عبد الوهاب). ومن مواليد حي الفضل من مشاهير القراء العراقيين هو القارئ ياسين طه العزاوي.

 شهد الحي أول مدرسة ابتدائية أسست في العهد العثماني باسم (مدرسة الفضل) ولا تزال المدرسة قائمة حتى يومنا هذا. لعل من أبرز أبناء هذا الحي هما الأخوان ياسين الهاشمي وطه الهاشمي اللذان بلغا اعلى الرتب المتاحة في العهد العثماني للعسكريين، وكانا من مؤسسي الجيش العراقي. وكان من مؤسسي الجيش العراقي ومن أهل الفضل العميد إبراهيم حمدي (آل نائب) الذي تقلد مناصب كثيرة في الجيش العراقي وسمي من أوائل الأفواج باسمه كما أصبح مدير الأمن والاستخبارات وهي بمثابة وزير الداخلية في أوائل تأسيس الدولة العراقية وهو والد الأستاذ الدكتور طارق إبراهيم حمدي النائب والمحامي خليل إبراهيم حمدي النائب. وفي الميدان

السياسي تولى كل منهما منصب رئيس الوزراء (وقد كان أبوهما السيد سلمان مختار حي الفضل) ومثلهما رفيقهما السياسي العراقي البارع (نوري السعيد) الذي تولي رئاسة الوزراء أكثر من عشر مرات. وعلاوة على ذلك كان بين أبناء الفضل من الوزراء، خليل كنه وجميل عبد الوهاب سالف الذكر. وبرز كثيرون من أبناء الحي في العهد العثماني أغلبهم من قبيلة (العزة) التي يشكل أبناؤها نسبة عالية من أهل (الفضل) نال عدد منهم رتبة الباشوية، إذ كانت تلك القبيلة من أهم القبائل التي قاتلت إلى جانب القوات العثمانية ضد الصفويين في العراق، ومن هؤلاء الباشاوات، صبري باشا وأحمد جودت باشا وزكي باشا وحسن وشاكر ال غصيبة، ممن ذكرهم عباس العزاوي في كتابه (موسوعة العشائر العراقية)، ومن أبناء هذه العشيرة مثل اللواء إبراهيم الحاج خلف، واللواء يوسف العزاوي، والعقيد كامل شبيب أحد قادة انقلاب سنة 1941، والعقيد عبد العزيز الشيخ علي الذي قتل على أسوار القاعدة البريطانية في الحبانية سنة 1941، ومن اهل الفضل، اللواء طاهر محمد القيسي الذي قاد أول مجموعة عسكرية عراقية دخلت فلسطين سنة 1948، ورابطت في مثلث (نابلس ـ جنين ـ طولكرم) وطهرته من الوجود الإسرائيلي. ومن العسكريين أيضا اللواء عبد المطلب الأمين أحد كبار الأكاديميين العسكريين الذي كان أول سفير عراقي في اندونيسيا. وقبله هناك العقيد الطيار محمد علي جواد قائد سلاح الجو العراقي وكان واحدا من سبعة طيارين تدربوا في بريطانيا، وأصروا علي قيادة طائراتهم سنة 1931 من لندن إلى بغداد، ورفضوا شحنها بحرا (كما كان مقررا)، فكان ذلك حدثا تاريخيا بتأسيس أول قوة جوية عربية. وقد كان له في هذا الحي ناد تقليدي لهذه الرياضة يسمي (زورخانة)، أي (نادي القوة). وعلي يديه تخرج العشرات من كبار المصارعين، أبرزهم الحاج محمد بن ابريسم الذي كان صوفيا، ولكن شهرته تعتمد على كونه رئيس (المصارعين) في العراق، والبطل عباس الديك الذي تغلب على اقوي مصارع عالمي ألماني الجنسية هو (هريكريمر)، في أوائل الثلاثينات من القرن الماضي.   تمتاز المنطقة بطابعها الشعبي اذ خرج منها إضافة إلى من مر ذكرهم عدد من مطربي المقام والفنانين والأدباء والمثقفين والوزراء والعلماء. منذ تأسيس الدولة العراقية ويمتاز سكان هذه المنطقة بلهجتهم البغدادية المميزة وأغلب سكانها من العزة ويسمى جانب من المنطقة بمحلة العزة أيضا وتقع في وسط بغداد وتعتبر الفضل الشريان الحيوي للعاصمة حيث يقع بقربها شارع الرشيد والبنك المركزي العراقي وشارع الكفاح. شهدت منطقة الفضل في العقود الأخيرة هجرة الكثير من أسرها الذين لهم فيها تاريخ طويل بعدما تطور الحياة وبرزت مناطق سكنية حديثة وتبوأ أبنائهم مراكز وظيفية بعيدة عنها وبعد أحداث 2003 أصبح معظم سكان الفضل من الوافدين إليها من عدة مناطق في بغداد ومن المحافظات الأخرى .

الفضل الحي التأريخي العبق يحتضر

يعتبر مؤخرا حي الفضل من المناطق التي شهدت وضعا امنيا مهزوزا لكنه سرعان ما استتب به الامن.. ومما يؤسف له ان منطقة الفضل كانت ولازالت تعاني من الاهمال وعدم شمولها بحملات الاعمار بسبب فساد مسؤولي الملف الخدمي لهذه المنطقة وعلى الرغم من انقطاع التيار الكهربائي باستمرار لأن الاسلاك قديمة ومتقطعة وتلوث الماء
وشكا عدد من أهالي هذه المنطقة من انتشار الجرذان في الأزقة والدور بأعداد هائلة، مؤكدين حدوث إصابات بعضها ادت الى حالات وفاة بسبب تعرض الاهالي لعضات الجرذان  وتلوث الجرح بالمكروبات الخطيرة التي تحملها هذه الجرذان، فيما حدثت عدة اصابات بين الأطفال ، وان المنطقة تعاني من الاهمال وتدهور الوضع الصحي وطفح المجاري وانتشار برك المياه الآسنة والنفايات ، مما يهدد بكارثة صحية، ومن بين المحلات المنكوبة 129 و 117 و 131 وقد اضطر عدد من الأهالي الى عرض دورهم للبيع بعد ان يئسوا من الحصول على حل من بلدية الرصافة وامانة بغداد ، ويقول خليل زكي احد مواطني هذه المنطقة ان منطقة الفضل تعاني من الخراب والاوساخ المنتشرة في ازقتها وبيوتاتها التي كانت تزينها الشناشيل وكذلك فيضان المجاري وتداعي بيوتاتها القديمة.. لاسيما بعد الاحداث الدموية والاضطرابات والانفلات الامني الذي ساد فيها لفترة سنتين تقريبا مما انعكس سلبيا على المنطقة وأهلها.. وبعد عودة الامن والاستقرار للمدينة التفتت اليها الدولة لاعادة اعمارها وتنظيفها لكنها لم تشعر بتلك الحملة بسبب البيروقراطية والفساد والاهمال مما يتطلب خطة اعمار سريعة تعيد اليها الالق الذي كانت تتمتع به سابقا. ان منطقة الفضل بماضيها المجيد الممتدة جذورها الى سنوات طويلة في التاريخ تستحق ان نعيد لها وجهها المشرق ونحسن من وضعها وننتشلها من الخراب والاوساخ التي تعيش بين جنبيها لاسيما ان اهل المنطقة استطاعوا بمساعدة القوات الامنية من طرد الخارجين على القانون وتنظيف المنطقة من المجرمين واللصوص، ويقول المواطن سعدي كامل من سكنة منطقة الفضل لم يكن الوصول إلى منطقة الفضل سهلاً، بل بالعكس استغرق ساعتين من الوقت حتى يستطيع القادم الولوج إلى الحي بسبب كثرة المياه الآسنة التي غطت معظم شوارع بغداد بعد هطول الأمطار، يضاف إليها العامل المشترك لجميع البغداديين، وهو الازدحام بسبب انتشار السيطرات الأمنية ودوريات الشرطة والجيش يضاف إلى ذلك قوة الرد السريع  وهذا ما قرأناه على سياراتهم التي يقفون بجانبها دون ان يعملوا شيئاً غير النظر الى سيارات المواطنين أو تقليب أجهزة هواتفهم النقالة ليزيدوا من الزحام وكأنهم يستعرضون ، وفي الشارع القديم الذي لم تشهد بناية واحدة فيه أي ترميم أو إعمار أو تغليف لواجهتها، إنما كانت معظمها مهشمة ومحطمة ومهملة وان واجهات مباني المنازل والعمارات حزينة الملامح تعطي انطباعا ان الحرب لم تنته بعد، شوارع غير مبلطة، نفايات متراكمة مركونة على حافات الأرصفة، سيارات صفت بشكل عشوائي أمام واجهات محال بيع السمك “الجري” الذي ينتشر بائعوه  على الأرصفة،  والأدخنة تملأ سماء الشارع، ومطاعم الأرصفة وهي تسمية يطلقها أصحاب بيع السمك على أنفسهم حيث قال عادل: يأتي الكثير من الناس من عدة مناطق من بغداد لتناول السمك “الجري” الذي يمتاز بطعمه اللذيذ وهو (تازة) وليس مجمدا ومنذ سنوات عدة نقف على الرصيف ونجهز الطلبات ويجلس الزبائن على أريكة خشبية قديمة أو مقاعد بلاستكية والناس لا تعترض على عملنا، فالهواء يبعث لهم بالروائح الطيبة فالسمك يتبل لساعات بعدة أنواع من البهارات قبل أن يقلى
حقيقة المنظر ليس حضارياً بكل ما يمكن أن تعطي هذه الكلمة من معانٍ! مقاهي الأرصفة تنتشر في الشارع بشكل كبير ولم يبق لسير السيارات ذهابا وإيابا غير عدة أمتار وهذه المقاهي لها دور كبير في الازدحام وتأخر الناس بالمرور بسياراتهم علما أن رجل مرور كان يقف هناك ينظم السير؟ وان الحكومة هي السبب وراء كل ما يحدث بالعراقيين فالبطالة تعج بالشباب وهم أصحاب عوائل يريدون العيش بسلام وبعيداً عن إغراءات المغرضين للعبث بأمان الناس ولا يوجد من يحاسب ويراقب من المسؤولين ..

مقالات ذات صله