مغناطيس الذكاء

أحمد سعداوي

ليس مطلوباً من رجال السياسة في العراق ان يكونوا عباقرة أو مفكرين عظماء وباحثين ومؤلفين وشعراء و”دكاترة”، وليست هناك مشكلة، كما تعلّمنا تجارب مماثلة في دول حول العالم، أن يكون النائب في البرلمان وصاحب المنصب السياسي انساناً بسيطاً، لم يكمل تعليمه، أو جاء من أوساط العمال والفلاحين، كما في شخصيات سياسية برزت وارتقت في ساحة العمل السياسي، وهي ملوثة بدهان المحركات وبأياد متشققة من كثرة العمل اليدوي.

وأبرز الأمثلة المعاصرة هي لرجالات السياسة في الخليج، فالجيل المؤسس من الساسة الذي وضع الأسس للامارات العربية اليوم كان جيلاً شبه أمّي، ولم يكن الشيخ زايد مثلاً خطيباً مفوّهاً وكان يحكي بالعامية مع الناس، وليست له كاريزما القادة العرب الثوريين، من أصحاب الشوارب السميكة والسيجار والرتب العسكرية والنظرات الصقرية.

ليس في كل ذلك أي مشكلة، ما دام صاحب القرار السياسي يعتمد في عمله على “خبرات” أناس آخرين، ولا يتوهم في نفسه العبقرية والالهام الرباني، ويعتمد على بيانات واحصائيات ومعلومات موثّقة لتحديد القرار الصائب الذي يجب اتخاذه.

سيقول لك السياسي والمسؤول الحكومي العراقي أنه يعتمد على هذه الخبرات من خلال حلقات المستشارين، ولكن التجربة خلال الاعوام الماضية أثبتت أن مناصب المستشارين كانت شكلية تماماً، ويتم التعامل معها بشكل محاصصي وتوزيعها لأعضاء الحزب والمقربين، وبهذا يتم إفراغ منصب المستشار من محتواه تماماً. وقد تحدّث لي مرة أحد الصحفيين بأن مسؤولاً كبيراً في الدولة منحه، لأنه مقرّب منه، منصب مستشار صحفي، وهو لا يعمل شيئاً في واقع الحال، ولا يبذل جهداً سوى أن يؤجر سيارة تكسي عند بداية كل شهر ليذهب لتسلم راتبه ويعود.

بالاضافة الى منصب المستشار، فإن الدول المتقدمة تعتمد على مراكز بحوث فيها أفضل الخبرات وأفضل العقول العلمية بالبلد، وغالباً ما تكون مراكز البحوث هذه جزءاً من مؤسسات أكاديمية وتعليمية مرموقة، ويتم تمويل مراكز البحوث من المال العالم لتقديم خبرات ودراسات دقيقة تستغرق شهوراً ربما، تخدم بناء الدولة وعملها، لا أفراداً أو حكاماً وساسة محددين.

باختصار تعتمد الدول المتقدمة أو التي تسعى لأن تكون كذلك، والتي تحوي نخباً سياسية مسؤولة، الى صناعة مغناطيس يجذب أذكى عقول البلد، لكي يصب ذكاؤها في التيار العام لبناء البلد، فهذه عقول ذكية بذل المجتمع وبذلت الدولة الكثير من أجل تكوينها كما يفترض، ولا يجب التفريط بها أو تجاهلها.

البلد الذي يحوي مغناطيس الذكاء هذا، ويحوي ساسة يشعرون بالمسؤولية تجاه بلدهم ومواطنيهم، ويستفيدون من هذا الذكاء في التخطيط للسياسات العامة في البلد، لن يكون بحاجة، فيما بعد، الى قادة عظماء، على وفق النموذج الشرقي للقائد العظيم، الحازم والقوي والذي يبطش بـ”يد من حديد”، والذي يبدو متجهماً لا يبتسم وجافاً لا يتنازل عن آرائه، مستعداً للقتال دفاعاً عن رأيه الشخصي، وكأنه رأي يخص ذوقه بالطعام او الملبس أو أين يسهر هذه الليلة، وليس رأياً يتعلق بمصائر المواطنين والبلد.

في بلد مثل هذا لن نحتاج الى أنصاف آلهة، وأبطال أسطوريين، فالبلدان المتخلفة فقط هي التي تبحث عن البطل المنقذ المخلص، أما البلدان الواعية فهي تصنع خلاصها بيدها، وهذا الخلاص يتكّون من مشاركة أذكى العقول في صناعة الحلول وتجاوز الأزمات.

أما الاعتماد على “الذكاء الشخصي” للساسة أنفسهم، وحلقاتهم الحزبية الضيقة، فهذا لن يؤدي أحياناً الى إدراك حجم المشكلة، ولا الطرق المناسبة لحلها، هذا طبعاً إن كان هناك حسن ظن بنوايا الساسة، وأنهم فعلاً يرغبون بحل المشاكل، لا الاعتياش عليها ومحاولة استثمارها لمصالحهم الضيقة.

مقالات ذات صله