مستخدمة التكنولوجيا..نــداءات الباعــة علامــة فارقــة فــــي أسـواقـنــا الشعبيــة

بغداد_ متابعة

حتى سنوات الثمانينات لم يكن للدعاية والاعلان في اسواق بغداد الشعبية حضور يذكر ، فنداءات الباعة واصحاب البسطيات هي الغالبة بما تجود به قريحة البائع من كلام  مقفى وموزون يرغب الزبائن بالشراء من بضاعته ، ولم تكن تلك الكلمات مكتوبة مسبقا ، واغلبها تخرج مع توافد الناس على الاسواق ، لتصبح بعد ذلك  انشودة يتداولها  باعة آخرون  ، ثم تطورت تلك الكلمات الى صياح مغنى لايخدش اذن السامع ، بل صار وسيلة للفكاهة والتذكير بفوائد الفواكه والخضراوات وباقي البضائع والسلع الاخرى .

تطور صياح البائع الجوال ليصبح مصدر ازعاج لدى اصحاب (الستوتات) ممن يجوبون الاحياء السكنية وهم يضعون مكبرات للصوت تنادي على شراء السلع القديمة باصوات تسبب الضوضاء وتجعل السامع يستعجل مرورهم من الحي للتخلص من فوضى المناداة الخالية من اي نغمة تجلب السامع نحوها ، بعكس الصياح  المغنى في الاسواق و(علوات) الفواكه والخضر.

في مناطق مختلفة من احياء بغداد تنتشر عشرات الأسواق الشعبية القديمة والجديدة ، فالبعض منها مضى على وجوده اكثر من ثلاثين عاما ، في هذه الاسواق ينتشر باعة جوالون واصحاب محال لبيع اللحوم والاسماك و الفواكه والخضراوات، لكن ما ان تدخل السوق حتى تتشابك الاصوات والاشعار التي تروج لبضاعتهم التي تقلبها ايادي الزبائن لاختيار الافضل منها ، وبرغم ان الاعلان الصوتي المنادى قد خفت بريقه بعد ان اصبح الكثيرون يضعون مكبرات صوت وآلات تسجيل ، الآن قسم من الباعة مازال يفضل التغزل ببضاعته والتشويق لها من كلمات واشعار تطغى عليها صفة الفكاهة  في البعض منها ، في سوق الشعب شرق بغداد كان القصاب محمد سالم صيهود (55) سنة   ينادي على  زبائنه  مناديا.. (حلقوم  ذبح اليوم .. هرفي وذكر) بمعنى ان اللحوم التي يبيعها هي لحم الغنم الذكور الصغيرة وليس الاناث ..

فيما كانت بائعة اخرى بالقرب منه تختص ببيع الخضرة.. كانت تنادي  (ريحان  هذا الريحان  يطيب النفوس وبلا فلوس .. نعناع  رشاد بارد وحار) ، تقول البائعة ام حمزة (62) سنة  اعمل في هذه المهنة منذ اكثر من عشرين عاما،  فقد اضطرتني الظروف المادية بعد رحيل زوجي من العمل لاعالة ابنائي،  وانا اقوم  بالمناداة على مدار الساعة لجلب انتباه الزبائن وحثهم على الشراء.

بائع فواكه كان ينادي بطريقة غنائية (احمر وريان  برتقال ديالى  بعد  يا برتقال) ثم يتحول لفاكهة اخرى (دم الغزال حلو وحامض حلو رمان .. من البستان  وحجي علي صاحب البستان) (لاتشتري المصري تره يابس مال (الكدعان) .. ويقصد  بالرمان المستورد من مصر وباقي الدول الاخرى ،   فيما كان بائع اخر يصيح (احمر على ((السجين)) احلى من العسل رقي العظيم)، في سوق منطقة الاولى في مدينة الصدر والذي كان يسمى سوق (الويحلات) تمتد جذور بعض الباعة الى بداية تأسيس هذا السوق في بداية سبعينات القرن الماضي ، اذ اشار الحاج حسن علوان الخفاجي الى وجود باعة مازالوا موجودين منذ اكثر من 35 سنة وبعضهم اورثوا المهنة لابنائهم، وهؤلاء لايعرفون السكوت طالما جلسوا خلف بسطياتهم او في دكاكينهم ، فهم اعتادوا الصياح ولكن بأصوات عذبة ولاتخدش اذن السامع او تزعج المارة، لأنها تصدح بعبارات لطيفة وخفيفة وحتى مضحكة بعض الشيء .

واضاف الخفاجي : كان هناك بائع للخضراوات (الطماطم والباذنجان والخيار) يعتلي كرسيا ويظل يرقص ويغني منشدا :  (مابيعن بس للحلوات.. مابيعن بس للحجيات..  خياتي وكلهن اكحيلات.. هذه الاسود حلو هاي الحمره رايجه  خيار كربلاء يبنيات).

فيما كان آخرون ينادون بألحان أخرى مستوحاة من الاهازيج الشعبية او بعض الاغاني البسيطة.، كاحد البائعين الذي كا يصيح (طري على شفاف الحلوين  اسود حلو) وكان يقصد بذلك فاكهة العنب الاسود ، فيما كان اخر ينادي (اسود وخاله الليل.. بيتنجان.. هذا الحلو  والحار احمر ابيض اختار  بصل.. وينهن الطباخات وينهن المعزبات).

يقول الباحث في الموروث الشعبي مهند كامل الانصاري: الصياح المغنى شاع في اغلب الاسواق الشعبية العراقية كنوع من الاعلان لتصريف البضائع والسلع  وبعض البائعين اقترن صياحه المغنى مع جودة بضاعته التي يتهافت عليها الزبائن  ، فالبائع في الأغلب لا يعلن عن بضاعة فاسدة او كاسدة لانها ستصرف عنه الانظار ويكتفي فقط بعرضها لمن يريد ان يشتريها، وبفعل التقليد والموروث المحلي توارث الباعة  ظاهرة الصياح المغنى والاراجيز والاشعار القصيرة كوسيلة اعلان لترويج عن البضائع والسلع في وقت لم تكن متوفرة وسائل الاعلان الحالية، وبرغم مرور الزمن ظل الصياح في الاسواق والشوارع صفة بارزة في الاسواق الشعبية في اغلب المدن والمحافظات العراقية، فلا تدخل في اي سوق الا وتختلط اصوات الباعة وتتداخل مع بعضها للاعلان والترويج ولكل واحد فيهم طريقته الخاصة بالصياح ، فهناك من ينادي  بطريقة تقليدية والبعض يرتجز اشعارا وأبياتا منظومة مخصصة للاعلان عن بضاعته يمكن ان تكون قد صدرت منه بعفوية او نظمت قبلا وتم تناقلها تباعا بين البائعين ، واضاف الانصاري : لو بحثنا في تاريخ الدعاية والإعلان لوجدنا مرحلتين : الأولى تتجسد في النداءات للترويج عن البضاعة والثانية عبر اللافتات التجارية واللوحات الصغيرة التي تبين نوع البضاعة وقيمة الاسعار، فضلا عن ورقة التسعيرة الصغيرة الملصقة على السلعة، وصولا إلى الإعلانات الضوئية ، قبل اللافتات التجارية  كانت غالبية المصالح والمهن بحاجة إلى استخدام الدلاّل، وهو المنادي الذي يجول في الأسواق منادياً على البضائع، وكان الدلال يعتبر ناجحاً ومميزاً بقدر ما كانت قريحته تجود بعبارات يحبها الناس ويحفظونها وتدخل الى قلوبهم ومسامعهم فتكون حافزاً ودافعاً لهم لشراء البضاعة المذكورة فيها، وكان وجوده حتى نهايات الثمانينيات من القرن الماضي ضروريا لدى اغلب التجار واصحاب الحرف وباعة المواد الغذائية بمختلف انواعها ، ومازال قائما في بعض الاسواق الكبيرة عند الضرورة فقط .

في سوق الشواكة القريب من دائرة التقاعد العامة ينتشر باعة الاسماك وباعة الكمأ ونبات الفطر والفواكه المستوردة التي لاتزرع  في المناطق والمدن العراقية، عروض الباعة والدلالين تختلف عن باقي الاسواق الاخرى ، لانها تتضمن بعض الوصفات الصحية السريعة ، ثم تتحول الى شرح مفصل يقدمه لك البائع عندما تشتري منه بعض انواع السمك او الكمأ او الفاكهة المجففة ، فاروق رزوقي  (54) سنة بائع في السوق  كان ينادي على حوض اسماك كبير فيه بعض انواع السمك العراقي (وينهم اهل الضغط.. افتح شرايين كلبك بزيت الكطان) ثم ينادي مرة ثاني (هذا الشبوط  دوا  للحجاج  وينهم اهل كبل.. ينوكل.. ني.. ياولد).. ثم اشار الى زملاء له في المهنة قائلا: اغلب هؤلاء الباعة بحكم خبرتهم الطويلة في العمل اصبحوا على دراية واسعة بفوائد انواع الاسماك لامراض الضغط والسكري ويصفون للزبون طريقة طهيها ونوع السمك الاكثر فائدة، فمثلا مرضى الضغط يمنع الاطباء تناولهم للحوم الحمراء بجميع انواعها وينصحونهم باللحوم البيضاء ، وان السمك من اكثر انواع اللحوم البيضاء فائدة، لاسيما السمك العراقي من نوع ( البني والشبوط والكطان والحمري والكارب  والجري) .

بائع اخر كان ينادي على عربة مليئة بالفطر (ابيض ومحاري، عش الغراب شواكي) وكان يقصد فطر ابيض واخر على شكل محار ، ويصف للمشترين طرق استخدامه  ثم ينادي  (قوي عظامك ونزل السكر لاتاكل  تمن وتشريب .. اشوي شواكي وابيض)، اذ بين البائع عبد الله خيون : ان الفطر هو مصدر غني للعديد من المغذيات الضرورية كالبروتينات والألياف الغذائية والعديد من الفيتامينات ويساعد في تعزيز المناعة والسيطرة على مرض السكري وخفض مستويات الكولسترول في الدم وكذلك السيطرة على مستويات ضغط الدم في الجسم وانه قد تعلم تلك الوصفات من اصحاب المعاشب الطبية الذين يشترون منه بعض انواع الفطر لاستخدامها في علاجاتهم الشعبية . واضاف خيون: لايمكن ان تخلو اسواقنا من الاشعار  والصياح المغنى اللذين يتغنيان باغلب انواع المأكولات ويروج لهما، فهما تقليدان متوارثان ولايمكن ان ينتهيا حتى مع وجود احدث الوسائل التكنولوجية للاعلان والتي اصبح يستخدمها الكثيرون بدلا من الصياح .

مقالات ذات صله