مدينة الحرية ببغداد .. تأريخ وهوية ..وحاضر فاقد الخصوصية ..!!

بغداد  – مؤيد عبد الوهاب

 تقع مدينة الحرية شمال مدينة بغداد، وتتبع الكاظمية التاريخية. ويقع اليوم متاخما لحي الشعلة الشعبي الذي أنشأه الزعيم عبد الكريم قاسم. وهنا يمكننا تخمين أن موقع مدينة الحرية على تخوم المدينة الكيشية كان يشكل حقلها أو مزارعها أو بستانها المتاخم، واحتضن في حينها مجاري المياه الساقية للمدينة. كان ذلك بسبب إنخفاض منسوب أرضها عن مستوى ماء نهر دجلة القريب منها، ولاسيما عند دورانه في منطقة العطيفية الذي يبقى على بعد كيلومترين فقط. والكشيون حكموا تلك الأصقاع منذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد وضموا مدينة الحرية والكاظمية لأملاكهم دون أن ترد لها أسماء معينة في مدوناتهم. وقد حكم منهم “ 76 “ ملكاً واستمر حكمهم “576” سنة قمرية. ومدوناتهم جاءت باللغة البابلية التي أقتبسوا ثقافتها واعتدّوا بها، مع انّ ملوكهم كانوا من اللور (الفيلية)، لذا استعملوا اللغة السومرية حتى بعد إضمحلالها في موطنها الفراتي. وربما يعود السبب إلى كونهم من نطاقها الثقافي أو مكوثها اللساني أو قريبة منه، فلم نجد للغتهم (الكشية) من دليل آخر. وكانت للقوم اتصالات دولية واسعة بالملوك المثيانيين والحثيين والفراعنة والشعوب المجاورة، فازدهرت التجارة في عصرهم وعم الرخاء البلاد في عهود بعض ملوكهم.. وكان منهم الملك (كاريكالْزو) الذي شيد البرج. وقد عثرت مديرية الآثار العامة في محيطه على لقىً أثرية نفيسة من مصوغات وأوانٍ من الفخار وكتابات يشاهدها الزائر معروضة في القاعة البابلية للمتحف العراقي. ووُجدت دراهم يونانية في مقبرة الشهداء (منطقة الحرية تحديدا)، فقد ورد في عدة مصادر تاريخية، من ضمن أخبار سنة1243م -641 هـ أن ميتاً حُمل إلى مقبرة الشهداء ليدفن فيها.. فلمّا حفر الحفار قبراً له وجد في الحفرة جرّة مملوءة دراهم يونانية وإسلامية ممّا ضرب بالمدينة المنوّرة، فأحضرها إلى المحتسب ببغداد فحملها إلى دار الوزير نصير الدّين أحمد بن الناقد وزير الخليفة المستعصم بالله فأمره بالمضي إلى المقبرة وزيادة الحفر فحضر، وحفَر حول القبر فوجدوا جرة أخرى كان بها نحو عشرة آلاف درهم. وكانت مدينة الحرية تسمى (باب الغربة) إبان نهاية العصر العباسي وبداية العصر الإيلخاني، ويرد أسمها في وصية الوقف الذي كتبها الخواجة مرجان الإيلخاني الخاصة بالخان والمدرسة والمسجد التي شيدها في رصافة بغداد بين اعوام 1353-1358. وتسميتها تدل على موقعها عند الباب الغربي لدخول الأعراب من غربي وشمال غربي بغداد، ونجد بأن من أوائل القاطنين في ذلك الحي عند تأسيسه ممن قدم من المشاهدة والطارمية ومضارب بني تميم في تلك الأصقاع، وسكنوا تحديدا في شارع المختار و الحرية – الثانية. وان البدو وبائعي الملح كانوا يمروا بجمالهم في بواكير تأسيسها، وكان سكان المنطقة تتبعهم لـيشربوا من الأرض حليب نوقهم. وشارع المختار من الشوارع المتوسطة في الحي وسمي على أسم المعمار العراقي أحمد المختار(1907-1960) وهو أول معمار عراقي يوفد للدراسة في أنكلترا ،وتخرج من جامعة ليفربول عام 1936 قبل محمد صالح مكية، ليصبح أول مهندس معماري عراقي في الحكومة العراقية عام 1937، بعدما شغلها المعماريون الإنكليز، ثم تبوأ منصب مدير الأشغال العامة 1950 حتى وفاته. ويمكن إعتبار مدينة الحرية أحد الأحياء الجديدة لبغداد، بعد التوسعة المقترحة من خطة المعمار ومخطط المدن اليوناني -والأمريكي دوكسياديس الذي أختير لمهمة توسعة بغداد. ويمكن اعتبار العام 1958 بداية المشروع ومنه إرساء هذا الحي وظهوره إلى الوجود بعد بداية متعثرة قبل ذلك بعامين. وقد أتصل الحي ببغداد بعدما أفتتح المرحوم عبدالكريم قاسم عام 1961 شارع 14 تموز الرابط بين الكاظمية والكرخ والمار بمطار بغداد (أصبح اسمه المثنى بعد ذلك) وكذلك محطة القطار العالمية. وهكذا فكت العزلة عن الحي وأصبحت الحافلات رقم 25 و81 تنقل أهل الحي إلى ساحة الشهداء أو الميدان،وأرتبط بمنطقتي علاوي الحلة والكاظمية مشيميا. ويمكن أن تعود تسمية (الحرية) إلى التغييرات التي طرأت بعد ثورة 14 تموز 1958 ،لكن مازال بعض المخضرمين من الحي يطلقون عليه أسم (مدينة الهادي) اقترانا باسم مالك أرضها الأصلي وهو الثري العراقي عبد الهادي بن عبد الحسين الجلبي نقيب عائلة الجلبي البغدادية الكظماوية، ووالد السياسي العراقي الراحل (أحمد الجلبي) . ولقب (الجلبي) يرد من اللغة التركية، ويعني كبير التجار(شاهبندر الفارسي). وقد اقطع السلطان مراد الرابع، أجداده هذه الأرض ومحيطها عندما افتك بغداد من يد الصفويين عام 1638. ورام تغيير البنية السياسية والإجتماعية للمنطقة، فملك الأرض إلى رجل اصطحبه معه من جهات الموصل دعي الجلبي، واسكنه تلك الديار قد انتقل عبد الهادي الجلبي الى جوار ربه عام 1988 في لندن بعد أن اختارها ملاذا بعد أن طالت ألتاميمات وفوضى الإقتصاد التي جلبتها سلطة إنقلاب (شباط-1963) وسياسات خير الله حسيب الإقتصادية، وما تلاها، حينما بخست بأملاكه الواسعة ومنها المطحنة العصرية (معمل الطحين) الذي بناه على أرقى طراز معماري في أربعينيات القرن العشرين، وجهزه الخبراء الالمان بالمعدات المتطورة، ومكث رهط منهم يعمل على إدامته حتى السبعينيات. و يحتل المعمل اليوم ركن مدينة الحرية الجنوبي على بدايات شارع الربيع المتصل بغرب بغداد وأحيائه الراقية. و يشهد البناء بضخامته ودقة تنظيمه على وسع أفق (الجلبي) وبعد نظره وعمق اطلاعه ومدى ثقافته. ومن الجدير ذكره أن المعمل عاد لأصحابه الشرعيين أخيرا. وقد اشترت الحكومة العراقية هذه الأرض من الجلبي في الخمسينيات، ودخلت ضمن خطة (دوكسياديس). ويمكن أن يكون المبرر من وراء بيعها هو انخفاض مستواها الطوبوغرافي عن مستوى مياه نهر دجلة الذي يمر على طرفها الجنوبي الشرقي، والذي جعل منها عرضة للفيضان في مواسم ارتفاع مستوى النهر في الربيع. و كان هذا السبب وراء ارتفاع مستوى النزيز وصعوبة البناء بها او الإعاقة لعملية الصرف الصحي، وما يترتب عنها من سلامة الشوارع التي تعلوها، وهذا ما ارق أهل الحي، لاسيما في سنوات الستينيات ما جعلها منطقة كوارث إبان شتاء عام 1966 ويمكن أن يكون ذلك أول حدث جلب إنتباه السلطات العراقية لمشاكل هذا الحي. وكان أول من سكن مدينة الحرية من المراتب الدنيا للجيش والشرطة والطبقات الفقيرة القادمة من جنوب العراق.ثم توالى تزاحم السكان، لاسيما من شعر بثقل الضيق في وسط بغداد، وتبعها القادمون من بادية بغداد الشمالية والغربية طمعا بإرتقاء وضعهم المعاشي، على تخوم المدينة (المتبغددة). وسميت أول مساكنها بدور الشرطة او (دور الشؤون الاجتماعية)، وكانت بنايات صغيرة مساحتها تقارب نحو 55 متراً مربعاً وتحوي غرفتين ومجازاً وسطياً وحوشاً خلفياً. وقد استعملت في بنائها خامة الآجر(الطابوق) بعد أن خططت شوارعها على الأسلوب العمراني الإنكليزي المتعامد. ثم شرع بسكناها والتجمع بها عدد كبير من اللور الفيلية، قدموا من (عكد الأكراد) والقشل وأسسوا في منطقة البستان حيا جميلا بني بين ظلال بستان ونخيل عبد الهادي الجلبي الوارفة وحاكى بأسمه (عكد الأكراد) تيمنا،وقد خصص الفيلية في وسط الحي جامعا حسينيا، قرروا أن يجعلوه مركزا ثقافيا وروحيا، وجلبوا له خيرة القراء (الروزخونية) والعلماء لإلقاء الدروس، وكانت حسينية الأكراد الفيلية في البستان وحسينية عبد الهادي الجلبي في منطقة (القلم طوزه) ثم الموسوي والعلوي من أهم مساجد المدينة قبل أن تبنى مساجد اخرى كالخشاب في نهاية شارع المختار ومسجد السوق في الحرية-الأولى إبان حقبة عبد السلام عارف، ثم توسع بناء المساجد في كل أجزاء الحي تباعا. شهد الحي توسعات مضطردة ليشمل أجزاء الملحق والدباش والجمعية ثم الحرية الثانية والثالثة ودور نواب الضباط ثم الدولعي وتوابعها في الزاوية المتاخمة للكاظمية. وفي الإطار الاجتماعي فأن الحي يعتبر نموذجياً عراقياً صميماً، حيث لم يقترن بفئة أو قبيلة أو حمولة أو نحلة أو ملة بعينها. فقد أحتوى في ثناياه فسيفساء وأطيافاً عراقية شتى، جلهم من الطبقة الوسطى أو ما تاخمها. وبقي طابعها متأثرا بالثقافة الجنوبية الفلاحية بسبب غلبة ساكنيه. ثم أقل من ذلك ثقافة سكان غرب بغداد وشمالها البدوي. ونجد ثمة بغداديين أقحاحاً قدموا يحملون صفات حضرية ،وشبه حضرية “بدوية” لمن قدم من أحياء الكرخ. ونجد (كواظمة) ذوي طباع وديعة ومحافظة ومتدينة، بعدما ضاقت بهم مساحة الكاظمية المحدودة، فوجدوها قريبة من أصولهم ، كما ان هناك سيرة رهط كبير ممن سكنوا هذه المنطقة وطبعوا أسماءهم في شتى المجالات الإبداعية ومنهم خيرةالفنانين والرياضيين واصحاب الرأي والصحفيين والسياسيين من أعلام العراق ..وتبقى للحرية التي كني بها الحي هاجس في سجايا سكانه فهو تأريخ وحكايا …

حي الحرية بين الماضي التليد والهامش المهمل

 بين امجاد الامس التليد تمثل منطقة الحرية نبض الحياة البغدادية في القها وزهوها ، أما اليوم فاعترى ذلك الماضي العتيد فاقة الاهمال من سياسيي المحاصصة اللاهثين وراء منافعهم المتنصلين عن مسؤولياتهم الجسيمة بالمحافظة على الموروث المكاني لهذه المنطقة والتي تعد من اهم مناطق بغداد والعمل على تطوير البنى التحتية المتهرئة والمشاكل البيئية الخطيرة التي تهدد هذه المنطقة جراء تجمع النفايات بين احيائها السكنية ويعاني اهلها الامرين في وقت يبدو فيه بعض اعضاء مجالس المحافظة غارقين في لعبة الصراع على الامتيازات والمناصب والصفقات الرؤية الرسمية وكأنما كتب على سكانها المضحين المتعففين ان يكونوا دائما تحت خط الصفر في مقاييس ومعايير الخدمات وكأنهم يعيشون في افقر بلد في العالم! فهل هذا صحيح يا عراق النفط والثروات والخير الذي كان يمكن ان ينقلنا الى مصاف الدول المتقدمة لولا سوء ادارة من تولى امورنا، ماذا يعني ان تبقى نوافذ مدرسة ابتدائية بلازجاج في الشتاء البارد والصيف اللاهب لسنة دراسية كاملة فيكون حصة التلاميذ والطلبة البرد والحر مع حصص دراسية متدنية يضطر ازاءها اولياء الامور الى اللجوء للتدريس الخصوصي؟ وماهو التبرير المقنع لبقاء حفرة في وسط شارع يمر بها عضو مجلس بلدي او مجلس محافظة بل ربما لم يعد، بعد ان تبوأ مقعده في مجلس المحافظة، لديه الوقت الكافي ليس للمرور مرة اخرى على ازقة نخرت اسفلتها الحفر، ولكنه لم يعد يريد تذكرها بعد ان شغله التفكير بالبحث عن صفقات تمكنه من شراء دار جديدة تليق بوضعه الجديد بمليارات الدولارات وليس الدنانير!!، ومع ذلك تبقى كل تلك الحفر صامدة لتؤكد اصرارها على دحض ادعاءات انشغال المسؤولين بقضايا المواطن الكبرى.. غير انهم لايأبهون ولايتورعون عن الحديث عن انجازات فخمة من طراز تبليط شارع طوله نصف كيلو متر في الوقت الذي تفتك فيه المياة الملوثة بحياة الاطفال والكبار على حد سواء مثل هؤلاء اجادوا فن الخطابة وترديد الشعارات دون ادنى شعور منهم بالمسؤولية تجاه الوطن ومواطني هذه المنطقة التي الف سكانها دخول مياه المجاري الى دورهم عند اقل زخة مطر. والسؤال الملح هو ماذا يمكن ان نسمي او نطلق على منطقة الحرية المعروفة بكثافتها السكانية وامراضها المنتشرة معتمدة على مستوصف بائس محظوظ من يحصل على اقراص الصداع فيه ؟ قبل سقوط الامطار في الايام التي مضت وفي ايام الصيف الماضي كان مشهد الاتربة التي تتطاير في حالة سير السيارات مألوفاً لكل ساكني هذه المنطقة او لزائريها، غير ان هذه النعمة عادة ما تنغص عيش اهل الحرية فلك ان تتصور حال المدينة في فصل الشتاء بسبب طفح المجاري وغرق الشوارع وانبعاث الروائح الكريهة المنبعثة من مياه الصرف الصحي وكثرة الكلاب السائبة التي تتجول وتجلس اينما يحلو لها مهددة حياة السكان. والغريب اننا بين فترة واخرى نقرأ لافتة لمجلس محافظة بغداد يعلن فيهاعن قيامه بحملة لصيد الكلاب والقضاء عليها وهو بالاحرى يساعد على تكاثرها وتوزيعها في مناطق بغداد بعد ان يهيء البيئة المناسبة لاحتوائها؟ مناظر مؤلمة والقصة تطول وتزداد استغرابا ًحينما تأخذك قدماك نادمة على ما ستراه من سوء الخدمات وانسداد المجاري التي كان من نتيجتها مشاكل تلي الاخرى، حيث ان في كل يوم يصحو السكان على مشكلة جديدة قد تؤدي احياناً الى مشاكل بين ابناء الحي التي تتوسع احياناً الى لكمات بسبب النفايات وسوء تصريف مياه المجاري واهالي مدينة الحرية يصرخون اين انت يامجلس محافظة بغداد؟ واين لجنة الخدمات واين عملها \”شبكات الصرف الصحي كما هي الطرق والشوارع تسير من سيئ الى اسوأ؟. ويستدرك احدهم واسمه علي فرحان من اهلي المدينة فيقول متسائلاً باستغراب “هل من حياة لمن تنادي والحليم تكفيه الاشارة لن نتكلم عن الاعمال الاستراتيجية فهذه قضية لانفقه بها كثيراً،ولا نعرف متى تبدأ ومتى تنتهي وسنتحدث عن قدر بسيط من احلام المواطن العراقي الفقير البسيط، والمتعلقة بخدمات تستطيع ان تقوم بها منظمات خيرية عراقية او عربية، عندها كان وقتها غض الطرف حتى عن قضية الفساد الاداري التي ربما ستكون مقبولة الى حد ما”. فيما يعلق ابو حسين وهو من اهالي الحرية ” لو كان جزء من المال العام المنهوب قد ذهب لخدمات المواطن البسيطلما وصلنا الى هذا الحال الذي بتنا نخشى أي زخة مطر..!!، لكنهم وكما قلنا مولعون بهواية شراء البيوت الفارهة بعد ان كانوا يسكنون في غرفة صغيرة ايلة للسقوط والمثل يقول “الحليم تكفية الاشارة” اما الوصول الى مدخل المدينة من يظن بان الوصول الى مدخل المدينة يسير وسهل فهو واهم فأولى المشاكل التي ستواجهك الزحام، حيث انك وبسبب الاجراءات الامنية وحرص الاجهزة المتخصصة على ارواح المواطنين تضطر للمرور من احد المنافذ المخصصة لدخول الحرية “.. وكل هذا يهون كما يقول الحاج ابو فهد من اهلي الحرية “، لكن المشكلة هي ان هذه المدينة المنسية والواقعة شمال العاصمة فقدت عذريتها وشاخت حتى تكاد تحتضرمن شدة فقر الخدمات..انها مدينة لها تأريخ وهوية ..لكن حاضرها فاقد الخصوصية …. “

مقالات ذات صله