مجلس أعلى للثقافة والفنون .. أيضا!

عبدالأمير المجر

كتبتُ بعد الاحتلال مباشرة، مطالباً  بتشكيل مجلس أعلى للثقافة والفنون. منطلقاً في طرحي هذا من حقيقة كون العراق (القادم) ستتشظى فيه الرؤى الثقافية بين القوى السياسية، ذات العقائد المتناشزة، واعترف بأني لم أكن أتخيّل ان مستوى الخراب الثقافي سيكون بهذا الحجم الذي نعيشه اليوم، بعد ان شملت المحاصصة السياسية هذا المفصل الخطير، وباتت وزارة الثقافة بمؤسساتها المتعددة خاضعة لهذا المنطق، بالإضافة الى كونها تحظى بتخصيصات مالية سنوية متقشفة، قبل ان يحل بيننا طوفان التقشف الاخير!

لقد عقدت لقاءات وندوات كثيرة في السنين السابقة، كان محورها تشكيل مجلس أعلى للثقافة والفنون، لينهض بالثقافة ويفعّل دورها، وليكون بمستوى التحديات التي تواجه البلاد، غير متناسين  ان مانعيشه من خراب في مجمل مفاصل الحياة، يعود بالاساس الى ضعف دور الثقافة التنويري، الذي يرتقي بالوعي الجمعي، من خلال الادب والفن المتمثل بالمسرح والسينما والدراما وغيرها،  وهذه للاسف باتت في ذمة الثقافات الجهوية، التي راحت تسقط عليها رؤيتها من خلال نتاجات فنية وأدبية وغير ذلك، مستخدمة وسائل تواصلها مع الناس، كالفضائيات والصحافة، وهذا من حقها الذي كفله الدستور وتقره قيم الديمقراطية نفسها. لكن الرؤية النقدية التي يجب ان تعكسها هذه النشاطات، ظلت خاضعة لمنطق وثقافة كل جهة، وبذلك غابت الرؤية الوطنية الخالصة، وحتى الانسانية، بفعل استغراق تلك الجهات في التثقيف لمشاريعها السياسية من خلال وسائل الثقافة، فضلا على استثمار بعض المثقفين وتجنيدهم بشكل أوبآخر.

يعرف الجميع، ان المؤسسة الثقافية قبل العام 2003، ومنذ بداية العهد الجمهوري، وتأسيس الاتحادات والنقابات المهنية، كانت مدعومة من الدولة وتتناغم مع مشروعها السياسي، الذي له مؤيدوه ومعارضوه في كل مرحلة، لكن المتفق عليه ان تلك المؤسسات التي استقطبت المثقفين بمختلف اتجاهاتهم، كانت تنفق على نشاطاتها من خلال التخصيصات السنوية التي تحصل عليها بشكل منتظم، لان النظام السياسي للدولة العراقية، منذ العام 1958 كان يحاكي المشروع الاشتراكي، الذي تتناغم فيه المؤسسة الثقافية مع المشروع السياسي للدولة، وهذه حقيقة يعرفها الجميع، وهو ما لم يعد موجودا بعد الاحتلال الاميركي والعمل على تقعيد الدولة العراقية على اسس جديدة تحاكي النظام الرأسمالي  واقتصاد السوق. الامر الذي جعل المؤسسات الثقافية الرسمية  شبه مهمشة، وكما ذكرنا، من خلال التخصيصات شبه الرمزية  لوزارة الثقافة، بالرغم من وجود الموازنات السنوية الكبيرة التي نهشتها ايدي الفاسدين في السنوات الماضية، ويبقى الاهم من كل هذا، ان التخصيصات السنوية التي كان يجب ان تكون كبيرة في ظل الوضع المالي المستريح للدولة، لم يشمل الاتحادات والنقابات المهنية، تناغما مع نهج الدولة ودستورها الجديد، وأصبح اتحاد الادباء الذي يعد رئة الثقافة ورصيدها الحقيقي من المبدعين، بعيداً عن أي دعم،  وصار يعتمد على موارده الذاتية التي لايستطيع بواسطتها ان يقيم نشاطات تليق باسم العراق ومكانته.

ان مجلساً أعلى للثقافة والفنون، ينبثق من اتحاد الادباء ونقابتي الفنانين والصحفيين، بصفتها اهم وابرز النقابات المهنية، وينتخب من قبل منتسبيها،  سيكون الحل الأمثل لمشكلة الثقافة في العراق، ويبعد هذا المفصل الحساس عن أمراض السياسة ومبدأ المحاصصة، وسيكون المعبر الحقيقي عن صوت المثقفين العراقيين في الداخل والخارج، وسيكون مؤسسة دولة وليس مؤسسة حكومية، كما هو الحال مع اللجنة الاولمبية في علاقتها بوزارة الشباب والرياضة، لأن خدمات الأخيرة تبقى لوجستية بينما الاخيرة مهنية خالصة، اضافة لكونه المعني الحقيقي بالثقافة والمثقفين.

ترى هل سيرى هذا المشروع الوطني الكبير النور، ويتحقق حلم المثقفين بمؤسسة كبيرة تجمعهم؟ !

مقالات ذات صله