مثلث الغرابة والخيال والذكريات :الأخطار قائمة… والرقابة معدومة… وعقاقير ممنوعة تباع لمن يدفع اكثر..!

الميدان… منطقة لم تنس أنها جزء من ماضي بغداد الجميل

مشهد الفنطازيا لشخوص تخلفوا عن ايقاع الحاضر وناموا على تخوت المقاهي العتيقة

” الفياغرا ” مباحة… وأدوية اخرى تدخل في عالم الجنس… و ثالثة لا يعلمها الا الله !

بائع السكائر الذي يتحدث الفرنسية بطلاقة !

“براغي ” من أنواع مختلفة وأشرطة غنائية لأقدم مطربي و مطربات العراق… وراديوات برسم الأبداع القديم…

تحقيق: فؤاد العبودي

تصوير :محمد كلش

لا أحد يتصور أن هناك أناساً يعيشون في مملكة الشواذ تحت قاع منطقة أستحكمت حدودها عليهم ولا يمكن لأي كان إختراق هذه المملكة.

والميدان المنطقة الشائكة التي كانت يوماً ما (سنتر) لتجمع المثقفين والشعراء قد تحولت الى مناخ تفوح منه رائحة كل ما يمت بصلة الى الأفعال الشاذة…

واذا كانت مقهى أم كلثوم الضاجة بالاشخاص الأستثنائيين من حيث التصرف والسلوك والملبس هي ملاذ لهؤلاء فأنها مكان يجمع تناقضات البشر الذين يجلسون فيها وغيرهم الذين يرتادونها لأمر ما…

حتى أنك تفاجأ أن “الجايجي” يأتيك بأستكان الشاي فتشم معه رائحة الخمر تفوح من فمه وقد يستغرب الوافد لأم كلثوم اول مرة هذا المشهد الفنطازي… فقد تعود ” الجايجي ” أن يمص من كأس خمرته الموضوع على مقربة من ” الوجاغ” كلما دخل الى مكان أعداد الشاي فيأخذ رشفة وهو يضع أقداح الشاي وسط صينية يدور بها على مرتادي مقهى أم كلثوم.

ومع أنني كتبت أجمل نتاجاتي الثقافية وولدت أحلى تحقيقاتي الصحفية خلال أرتيادي لهذا المقهى العتيد ومن بينها كتابان في الأدب الوجداني ..

فقد كانت المقهى خلال التسعينات خصوصاً تمثل مرتعاً خصباً لمن يريد أن يسافر بخياله مع أروع أغنيات السيدة ام كلثوم…

وام كلثوم المقهى تمثل جزءاً حيوياً وشائكاً في الوقت نفسه .. فهي حيوية لأنها تجعلك مع الأغاني تتذكر أياما حلوة من تأريخك الشخصي … وشائكة بوجود نماذج مطرودة من بيوتها وتسكن في غرفاً عتيقة من فنادق الدرجة العاشرة في ساحة الميدان… ومن بين تلك النماذج شاذون بمعنى الكلمة (مثليون) و (دعاة لواط) لأنفسهم..

المنطقة بالتأكيد خارج التغطية… وبعض من الشقق المؤجرة يقطنها عدد من الاشخاص اتفقوا على سكنها وتدور فيها الامور التي تتأطر ضمن الخطوط الحمر…

بين تقاطعات أرصفة الميدان … خاصة في مواقف انتظار الحافلات التي كانت تزخر بها تحولت الدكات الكونكريتية الى مناضد لجلوس الفارين من منازلهم… ولنقل المطرودين من اهاليهم … لأسباب كثيرة بينها معاقرة الخمرة… أو البحث عن صبيان المتعة لهم وعليهم ..!

يدور حوار بين رجل قارب الستين من عمره شعره الابيض المنسدل على حواش رأسه… جلس على دكة في هذا الصيف اللاهب بدشداشة تحولت بفعل قدمها الى اللون الرمادي… يلوح بيده بقنينة العرق… ويتهاوى جالسا على الدكة الكونكريتية …. وهناك تلوح آتية (فتاة تمشي بقدم عرجاء) وتشد شعرها المنكوش بقطعة قماش الى وراء… يصيح الرجل وهو يتلمظ ويمسح شفتيه بكفيه

-/ ها ولج وين جنتي نايمة ليلة البارحة ؟

وعلى منظرها الرث ترد عليه بأنفة :

-/ وأنت شنو مسؤول علي /! ثم تعقب وهي تمط شفتيها:

-/ هاي هيه ما بقيت بس انته / …

تأخذ الرجل السكير العزة بنفسه فيرد عليها محتجا وبسخرية :

  • هسه عاد أنتي نانسي عجرم .. ها … ها …ها ..

تزجره بكلامها (خفت ها الخلقة ) ..

فاصل على مشوار مقتطع من حياة مملكة الشواذ في منطقة الميدان …

مركز الشرطة لا يبعد عن الساحه سوى امتار… ينزوي بين الابنية الخربة والقديمة … كان يطلق عليه (مركز شرطة الصابونجية) وهي منطقة عرفت منذ اكثر من مائة عام انها تجمع لبائعات الهوى وطلاب اللذة غير البريئة… لكن لا أحد من الشرطة ولا حتى دورية تتجول في ساحة الميدان ما عدا السيطرة العسكرية و التي أن أستنجدت بعناصرها يردون عليك..

  • (مو واجبنه)!!

قلت لكم أن المنطقة تحمل من التناقضات الشيء الكثير وهي بتفاصيل ما موجود فيها من وضع شائك ومرتبك وشاذ يصح القول عنها أنها مملكة بلا رقيب … وهي مملكة تعني الخطورة بذاتها للأشخاص الذين يكون طريقهم من خلالها نحو جسر الشهداء او شارع المتنبي خاصة بعد الساعة الرابعة عصرا على مدى أيام الاسبوع… ما عدا يوم الجمعة.

اذكر صديق لي (ناقد ادبي) كان قد وفد الى بغداد من البصرة بعد ثلاثة اعوام من سقوط نظام صدام حسين … وبعد فترة التقيته في احدى مقاهي الميدان بصحبة شاب طويل ذو شعر مسترسل كثيف ويعتمر ( قلنسوة ) سوداء تلتقي في لونها مع لحيته وشاربيه …

وحين غادرنا الشاب … سألت صديقي … كيف تلتقي مع هكذا أنواع.

أجابني :

-في هذه المنطقة يا صديقي عصابات … وانا استأجر غرفة هنا… وجدت من الافضل مصاحبة احدهم على الاقل لحمايتي من البعض الاخر وشفيعي في هذا هو صداقتي ودماثة اخلافي معه .

تصور ( يضيف الصديق ) ان افراد هذه العصابات يفرضون اتاوات على اصحاب المقاهي والمحلات والبسطيات.

فكيف لا اخشاهم. بعدها غادر الصديق عائداً الى محافظته ( البصرة ) حين لم تكن الظروف ملائمة له .

واذا ذكرت مصلحي الساعات فهو امر عادي… لكنهم يختلفون مع اقرانهم في مناطق بغداد الاخرى هو ان مصلحي الساعات في الميدان (يخلقون للفارة أذان) كما يقول عامة الناس … ناهيك عن دكاكين الخياطين وباعة الألبسة القديمة ( اللنكة ) لكنها قياسا الى ما يباع في المحلات فهذه الألبسة رائعة ووفق الموديلات الحديثة .

أما أذا كنت تراجع خياطي ساحة الميدان.. فأنك ستنبهر لما يمتلكونه من (فن) التقريم حتى وان جئت لهم ببنطلون يتسع لأثنين فأنهم يقومون بفصاله من جديد وحسب قياسك تماما و بسعر لا يتعدى (الألفي دينار)… أسألوا مجرب ولا تسألوا حكيم .

المشكلة في منطقة الميدان هي أنها تمتلك شخصيتها الأحادية … والتي لا ينافسها في هذا اية منطقة اخرى …

الناس فيها غريبي الاطوار… ليسوا مخلوقات وفدت علينا من المريخ… لكنهم يجعلونك تفكر الف مرة قبل الحديث معهم …

فهذا الرجل الذي يحمل كيساً زاخراً بخردة الاشياء ليفترشها على قارعة الطريق بعد ان طرد من منزله بسبب مشاكساته المستمرة فتم وضعه بين خيارين احلاهما مر… اما ارساله الى دار المسنين ( العجزة ) او رمية في الشارع … وبالتأكيد لم ينصاع لأي من الامرين … لذا اخبرهم انه سيغادرهم غير اسف على فراقهم … و هكذا وجد الرجل نفسه بائعاً فوق العادة في ساحة الميدان.

اما سعدية ( العوجة ) والتي تعاني من الكساح فلا احد يعلم من اين جاءت لكنها اندمجت في هذا الوسط غير المتجانس واصبحت تعيش مع احدى العوائل في بيت عتيق من بيوت المنطقة والذي يخلو من الباب سوى ستارة مثبتة عليه ليس على الداخل سوى رفعها ليجد نفسه في دهليز قصير يؤدي الى غرف سميت مجازاً بالغرف باحثا عما يريده وما تشتهيه نفسه في هذا المحيط المملوء بالتناقضات.

بائع السكائر الذي يأخذ مكانه على الرصيف المواجه لبائع الصحف (أبو علي) رجل احترمه لأنه يمتلك الحديث باللغة الفرنسية… كنت قد سألته مرة:

*لماذا لا تتجه للعمل في احد مكاتب الترجمة وتحصل على اجرك فيه ؟

أجابني بجدية:

-صحيح أن اللغة الفرنسية تأتي في المرتبة الثانية من حيث الاهمية بعد الانكليزية… لكن سوقها غير رائج… ولم أجد تشجيعا أيضا لذلك اتجهت لبيع السكائر واجدها تدر ربحاً جيداً.

ويختتم حديثه “مو أحسن ما أمد ايدي” فلدي اولاد بالجامعة .

قلت :

*صحيح جداً…

أشعر براحة نفسية حين أمر على “ابو علي” بائع الصحف و المجلات في بداية الميدان… وهو يتخذ ركنا له منذ فترة طويلة .. رجل ظل حريصا على مزاولة مهنته… في أحيان كثيرة اجد عنده ما يمليه عليّ أهتمامي بالبحث عن المجلات المصرية … فيناولني مجلة المصور … واخر ساعة … القديمة … وحين اطلب منه مجلة صباح الخير … يقول انها لم ترد الى العراق… ويعزو السبب الى غلاء سعرها ( يمعود من يشتريها هاي بس انت تسأل عنها ) …

كنت اخاف عليه حين اشتد العنف الطائفي… وبالطبع لم استطع الوصول اليه في مكانه الاثير على الرصيف… لكن احد اصدقائي طمأنني بأن ابو علي ( بائع الصحف والمجلات ) بخير وانه يراه يوميا بحكم كونه جيرانه في احدى مناطق العاصمة… فشعرت لحظتها بوافر الراحة و الأطمئنان… وسلمت أمري والعراقيين معي الى الله في تلك الايام العصيبة التي تحولت فيها اكثر المناطق في بغداد الى بؤر للجريمة المنظمة وشوارعها قد تحولت الى مكبات للجثث المجهولة الهوية…

منذ سقوط قنابل وصواريخ اميركا على البلاد مع سقوط الصنم تهاوت بدالة باب المعظم القريبة جداً من ساحة الميدان… وهي بناية انشأت على طراز البدالات العالمية من حيث التصميم وكانت خير معين للناس في اجراء اتصالاتها هاتفيا ودوليا بالذات مع ابنائهم في الخارج يوم كان الهروب من العراق يتم جماعيا و الاستقرار في الاردن او سوريا …

البدالة التي اتحدث عنها مازالت لحد كتابة هذه السطور تشكو من يمد لها يد العون في اعادة الاعتبار لها وتأهيلها مجددا.. مشهد البدالة كما البنى التحتية الاخرى يفطر القلب.. حيث  تبدو حفرة كبيرة وعميقة وهي شاهد على ان الحكومة لم تقم بأي خطوة تحديث واعمار لما تهدم وتهاوى من معالمنا الحضارية والابنية.

واذكر بدالة باب المعظم في سياق حديثي عن منطقة الميدان.. مع ان هناك العديد من المعالم التي دمرتها صواريخ الغزو الامريكي كبدالة الاعظمية مثلا وبعض الجسور… ومجسر باب المعظم الذي مرت علية الفصول الاربعة ومثلها مرت ايضا خلال اعوام ما بعد 2003.. والمجسر مازال ينظر الى الساعة التي يدشن فيها المشاة والسيارات معا السير عليه… في العودة الى منطقة الميدان.. من الواضح على من يروم نقل مشاهدها ان يصدق القول.. رغم ان ما سيقوله شاهد العيان هذا يعد من باب الخيال لمن يقرأه.

فالمنطقة تصبح عصية على كل من يحاول المرور فيها بعد الساعة الثامنة…. وتبدو منطقة خطرة. مصابة بداء ” الجرب”! وعلى الرغم مما تحمله من ذكريات دفينة وجميلة فإن الشاذين كثيراً ما يحولوها الى منطقة موبوءة.. على  ان وجود هؤلاء يشكل جزء من المشهد العام لمنطقة الميدان وهي تسبح في ترانيم مقاهيها الشهيرة… ودكاكين بيع الاشرطة… ومحلات الانتيكات العتيقة عتق الدولة العرافية.

وهذا كله لا ينفي وجود ناس ودودين مثل صاحبنا بائع السكائر وصاحب اللغة الفرنسية.. ابو علي بائع الجرائد والمجلات… وحتى سعدية (العوجة) فأنها وكما يقول (القهوجي) الذي فضل عدم ذكر اسمه تمتلك قلبا ابيض كالجمار… لكن ماذا تفعل وقد هربت امها وهي بنت السابعة من عمرها وتكفلت احدى الجارات بتربيتها وحين ضاقت سبل العيش بالجارة الطبية.. اودعت (سعدية) في ملجأ للإيتام…. الا انها تمردت على قوانين الملجأ… فهربت منه الى حيث مستقرها الحالي (الميدان).

كان من المفروض ان تكون (الميدان) احدى المناطق التراثية والسياحية معا.. كما هي منطقة (المثلث الذهبي) في ماليزيا والتي تشابه الميدان بما تحتويه ايضا من انتيكات تخص ماضي دولة ماليزيا… وتبيع كل شيء ينطوي تحت مسمى “الخردة” .

لم تأت حكومة تهتم بمنطقة الميدان… من حيث تأثيثها واعادة بريق الماضي الجميل وادخال بعض التحسينات على ابنيتها التراثية.. وحتى بائع “البراغي” الذي يفترش الارض فأن له حصة في خارطة هذه المنطقة اذ يأخذك العجب وانت تلاحظ ما معروض من انواع البراغي.. وكذلك ورغم توقف الناس عن استخدام اجهزة التسجيل ذات الاشرطة (الكاسيت) فانك ستجده عند البائع الذي يفترش مكانا امام مقهى فريد الاطرش.. ويمتلك الرجال عشرات الاشرطة بدءاً من زهور حسين واحلام وهبي والمنكوب وعبادي وحسين سعيدة مرورا بهيام يونس.. وحين تطلب شريط لهذا المطربة يدفع البائع فرحاً شريطها وهو يخبرك عن اغانيها الخفيفة…

وترجع قليلاً الى الوراء حيث المنعطف القريب من طوب ابو خزامة … وعلى الرصيف المقابل له.. احتل بعض الباعة مكانهم بمحاذاة الشارع المؤدي الى بيت الحكمة.

يبيع هؤلاء.. احذية (نص عمر) وحقائب جلدية من الانواع القديمة ذات الحمالات الطويلة… وكاسكتيات…تشبه تلك التي كان يعتمرها  الممثل الهوليودي جون واين وقبعات كاري كوبر.. وسكاكين بين الساطور والسكين العادية وام الياي…

المنطقة طولاً وعرضاً تحكي تاريخاً يتمثل باهالي بغداد الذين كانوا يعتبرون الميدان منجم لاحتياجتهم.. وايضا كان ينظر الى المنطقة بأهمية بالغة.. حيث كان يتربع “مسرح الهلال” الذي غنت فيه ام كلثوم عند اول زيارة لها الى العراق…. ومقهى البرلمان الشهير .. وديوان الحكومة (القشلة) ووزارة الدفاع القديمة.. وهكذا ينسج الواقع مكاناً اثيراً لهذه المنطقة في ذاكرة العراقيين من القدامى والاجيال اللاحقة .. اذ كثيرا ما اجد البعض من الشباب تستوقفهم (منوعات) ساحة الميدان فيأخذهم الصمت والعجب من الاهتمام فيتسمرون قبالتها وكانهم يقفون على اعتاب “تاج محل”…

وبالطبع الرقابة معدومة على ما يباع في هذه المنطقة خاصة الادوية.. حيث يعرض الباعة (عينك عينك) اقراص الفياغرا  بأنواعها.. ودهون تخص الجنس واقراص الفاليوم والسيبرودين وادوية اخرى متنوعة منها للشعر ونعومته وللظهر والمفاصل.. من دون استشارة طبية لكن البائع يعرف تماما ما تطلبه منه .. فيقول لك :

“اخي .. هذا جيد جدا للقولون”

وعندما تمازحه بشيء من الاسئلة عن ليلة الدخلة يسرع للإجابة :

–      ليش لا موجود بس غالية ولا نعطيها الا لمن يقدرها.. يمد يده الى علبة معينة رافعا اياها (تفضل هاي متخليك تنام الليل) …

عالم ليس من الخيال ..غريب نعم. ولكنه حقيقي .. وممتع ومؤثراته كثيرة… فيه من الاخطار ما لا تعد ولا تحصى ومن المكن ان تصبح منطقة الميدان (واحة) حقيقية في التجوال .. والغوص في أعماق بغداد.

مقالات ذات صله