مات سياسي وشاعر فتشاتم الأحياء / عبدالزهرة زكي

كانت وفاة الدكتور أحمد الجلبي واحدة من مناسبات كثيرة جرى ويجري بها تأكيد خواء كثير من السياسيين والمحللين والصحفيين ومعهم جمهور واسع ممن علقوا بمناسبة الرحيل المفاجئ لرجل هو الأكثر مثاراً للجدل والاختلاف بين رجالات العملية السياسية ما بعد 2003.

الجلبي ليس مجرد زعيم حزب أو شخصية سياسية بين عشرات الشخصيات التي عملت أو شاءت المصادفات أن تضعها في مقدمة رجالات وزعامات ما بعد 2003.

لقد كان (رئيس المؤتمر الوطني العراقي) شخصيةً محورية في صنع لحظة 2003 وقبلها كان شخصية أساسية في جمع مختلف الفرقاء المعارضين من اليمين واليسار العراقيَّين على هدف واحد هو إسقاط نظام صدام حسين والتنسيق مع ملائكة العالم وشياطينه على حد سواء من أجل هذا الهدف.

هذه الطبيعة العضوية للجلبي لم تمنع من أن يكون هو أشد الخاسرين في التجربة السياسية التي أعقبت التاسع من نيسان. في الأقل كان جمهوره ينظر إلى ما حصل على أنه خسارة كبيرة، بينما لم يبدِ الجلبي نفسه أية مشاعر سلبية إزاء المآل الذي لم يكن أحد يتوقعه له في عراق ما بعد 20033.

وأمام كل هذا شخصت مفارقة أن لحظة انتصار التنسيق الجلبي الأمريكي كانت هي لحظة انفصام التنسيق المعقد والطويل بينهما. وهذه المفارقة من غير المؤكد ما إذا كانت مقصودة أو جاءت كجزء من تداعيات دراماتيكية صنعها التاسع من نيسان بظروفه الأشد دراماتيكية.

كل هذه الطبائع التي وسمت حضور الجلبي في المشهد السياسي العراقي كانت تقدم مجالاً حياً سواء للنقد أو للتعبير عن تقدير، لكنها كلها لم تدخل في إطار الجدل الذي أثاره الموت.

واقعاً لم يكن هناك جدل.

ففجأة وجد المختلفون العراقيون مناسبةً بين أيديهم ليس لاستخدامها في التفكير والتحليل والتقويم والاستنتاج، إنما جعلوا منها فرصة أُدرجت في سياق عشرات الفرص التي مرت والتي لم يفلح فيها هؤلاء المختلفون بغير أن يتشاتموا ويؤكدوا بها مشاعر العداء ما بينهم.

الميت، مهما كان الموقف منه سلبيا أو إيجابيا، لا يعدو أن يكون سوى ممر باتجاهين متعاكسين: أحدهما يريد النيل من الآخر، فلا يأتي النيل إلا بامتداح الميت أو بشتمه. الميت رئة تتنفس من خلالها عُقد التعصب والكراهية التي تعتمل في نفوس أحياء متخاصمين ومنقسمين.

حصل مثل هذا مع وفاة شاعر بعد أيام على وفاة السياسي الجلبي. موت عبدالرزاق عبدالواحد هو المناسبة التي جاء بها ملاك الموت ليديم فورة الانفعال وهستيريا التعصب. ثمة من لم يكمل في حياته قصيدة للشاعر الراحل لكنه انبرى ليؤكد بكل ثقة أن عبدالرزاق شاعر الأمة الأوحد. ليس مهما لمثل هذا المُنبري أن يكون دقيقا وحقيقيا في حكمه؛ ما هو مهم بالنسبة إليه إغاظة الخصم الحي. ويقابل هذا مَن لم تردعه حرمة الموت وهو يصب اللعنات على شاعر مات وماتت معه فرصته للتعبير عما دفع به إلى مصيرٍ كثيراً ما عبّر عن تبرمه منه في جلساته الخاصة وعلاقاته الحميمة.

في حال ردود الأفعال بعد موت الجلبي غاب الرأي العلمي الدقيق غير المتعصب، محبةً أو كرهاً، وغاب التحليل المنصف لظاهرة رجل مثل الجلبي، وغابت رؤية ما يمكن أن يملأ الفراغ الذي خلفه الموت في جسد السياسة العراقية الذي يعاني من فراغات كثيرة. بينما تتوارى الكتابة النقدية الموضوعية عن تجربة الشاعر وموضعتها في سياقها الثقافي الأدبي والسياسي والاجتماعي وتتأجل لتحفظ نفسها وكرامتها من سوء الاستخدام في هذا الجو التهييجي المنقلت.

يمكن فهم ما جرى في هذا الاطار على أنه جزء من الآثار والتداعيات النفسية للجوّ العراقي المشحون دائماً.. لكن الأجواء المشحونة هي أحياناً مجال اختبار حيوي لطبيعة التفكير والسلوك ومدى النضج في تصريف الاختلافات وحتى في مدى رقي أو انحطاط الطبيعة التي تكون عليها الضغينة بين أطراف محتقنة.

يمكن، في حال النضج، حتى لمجال استخدام المعلومات وتحليلها والاستنتاج في ضوئها أن يكون مجالاً خصبا لتصريف الضغائن، بينما التشاتم هو الوسيلة الأولى التي تبادر مباشرة وتهيمن على منطق (الحوار) بين المختلفين.

ما أكثر ما يجري إطفاء العقل. يحصل هذا حين يكون المرء عاجزاً عن التصرف والافادة من قدرات العقل، أو حين يكون هو العقل ذاته موقوفاً عن العمل أو خارج إطار التغطية.

مقالات ذات صله