لا بحرَ في البصرة / طالب عبد العزيز

لا تبعد أقربُ نقطة للماء في خليج البصرة، عند خشبات ميناء ام قصر أو عند براحة مزاد السمك في الفاو عن مركز البصرة أكثر من 110 كلم، ومع ذلك فإن غالبية أهل المدينة لم يشاهدوا البحر، وسوى الصيادين وعمال منصة تحمل النفط في شركة نفط الجنوب(SOC )وجنود من قوات حرس الحدود لا يعلم أحدٌ من سكان المدينة، الذين قاربوا ثلاثة الملايين عن الماء الأزرق المالح شيئاً. ذات يوم، وفي إحدى سنوات الحرب مع إيران يغامر أستاذ جامعي بريطاني، من أصول هندية، فيأتي جامعة البصرة ويدرس طلبتها الادب الانجليزي، مدفوعا بما قرأه عن المدينة في كتاب الليالي العربية(ألف ليلة وليلة) ذلك هو الاستاذ سورانك، والذي كتب بعد سنوات طويلة كتابه الجميل( في بلاد الإله آنكي) بترجمه سهيل نجم عبود. يقول سورانك بانه غامر في يوم شتوي، رطب فأخذ سيارة أجرة وذهب إلى الفاو باحثا عن من يدله على البحر، إذ من غير المعقول أن لا يرى البحر، وقد مضى على إقامته في المدينة المائية الكبيرة السنة والسنتين، المدينة التي سحرته ذات يوم، وخلبت لبه حتى أن بعض أصدقائه وصفوه بالمجنون، ذلك لأنه يدخل مدينة تستعر على حدودها أشرس حروب النصف الثاني من القرن العشرين. يقول سورانك بانه وصل إلى نقطة لم تعد السيارة فيه قادرة على السير خطوة أخرى، فقد كانت الأرض ماء دبقاً ووحولا، وأن الجنود اوقفوا سيارته ثم منعوه من المشي أكثر من هذا، ذلك لأنها منطقة محرمة على دخول المدنيين، لكنه توسلهم لكي يسمحوا له برؤية البحر فقط. ومن موضعه الذي هو فيه، أشاروا له إلى سديم أخضر وأزرق وأسود، لم يتبينه خلل الضباب الكثيف، يقول سورانك بانه شاهد أسلاكاً شائكة كثيفة تحيط بالبحر، وانهم أوهموه لأن سدوداً ترابية عالية منعته من رؤية البحر كاملاً، ثم يختم فيقول: لأول مرة في حياتي أشاهد بحراً تحيطه الاسلاك الشائكة ويمنعك الجنود من مشاهدته. تُشغل الزرقة في المدن البحرية مساحة واسعة في خيال السكان، ويدخل البحر عميقاً في نفوسهم، وهنالك عشرات الوشائج التي تربط بين صورة الشمس وهي تخرج صباح كل يوم نديّة من الماء الواسع وبين مغربها عليه، بين حركة السفن مبحرة أو راسية عند صخره ورمله، بين وشوشة الموج وتحليق النوارس ووقوف الصيادين وهم ينتظرون ركوبهم فيه. ولا أجمل من مقهى صغير عند نهايته الرملية يتخذ عاشقان من مقعدين فيه موعداً يوميا يلتقيان عنده. مثل أن المشاهد الجميلة هذه لا يمكن ان تخلو منها أي مدينة بحرية، لكنه في البصرة، لا. وألف لا . يكذب من يقول لك بان المدينة تقع على البحر، هي على اطراف الصحراء نعم، وهذه نفوس أهليها تتصحر وتقسو كل يوم، ذلك لأنهم بعيدون كل البعد الجغرافية الزرقاء الباذخة، عن البحر بما فيه من المعاني. يُعلمنا دليل سياحي في دبي ذات يوم، قائلاً إن سواحل دبي كانت في السبعينات من القرن الماضي لا تتجاوز الـ 50 كلم، لكنها اليوم تجاوزت الـ 700 كلم . ثم أنه أخذنا إلى مقالع الحجر والرمل وشاهدنا سيارات الحمل وهي تفرغ حملتها ، ومن بعدها أخذنا الى الجنائب والقطع البحرية التي تنقل الحجر والرمل لتلقيه في البحر القريب ومن ثم لتبنى عليه أجزاء المدينة الجديدة ولتتسع السواحل وتشيد المرافئ الكبيرة. يقترح أحدهم، لعله نائب في البرلمان العراقي أو زير استثنائي مشروعاً لتوسعة البحر وزيادة رقعة الساحل العراقي من خلال حفر قناة صاعدة باتجاه بغداد والرمادي، تخترق الصحراء الشاسعة الخالية من الحياة، وهو لعمري أجمل مقترح يتقدم به عراقي شريف اليوم، ترى ما انتفاعنا من سعة الصحراء تلك؟ ولماذا لا نزيد من مساحة سواحلنا، ولماذا لا نؤسس المدن والمصانع قريبة من البحر، لماذا لا نجعل من السفن الصغيرة والكبيرة ذاهبة آيبة، تجوب المياه وتنعش الحياة، ويكون البحر منالاً سهلاً يذهب اليه الناس منتفعين مصطافين مستمتعين؟ لماذا؟ وقد أضعنا مليارات الدولارات فساداً وسرقةً.

مقالات ذات صله