لا احد يشعر بهن .. أمهات الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة يدفعون الثمن

بغداد_ متابعة

شاهدتها تمشي تسرح بخيالها موجودة وغير موجودة تتكلم وفكرها بعيد تنظر للناس ولا تحدد نظرها لشيء بعينه تسير بسرعة للعودة للمنزل وكان الذي ينتظرها هناك لا يحتمل التأخير، تملكتني الرغبة لمعرفة ما يدور بخاطرها، أحببتُ أن اعرفها أكثر اقتربت منها وسألتها بخجل عن سبب حزنها وشرودها ؟ أجابتني بحسرة تعصر قلبها “ابني حبيبي كل ما املك هو سبب همي وحزني” فقلت لها بفضول “هل أزعجك؟ هل أساء معاملتك؟ هل أخطاء في حقك؟”.. أجابتني “لا ولكن كنت أتمنى أن يفعل ذلك فانا أم وسأغفر له خطاياه”.

فزادت عندي الرغبة بالسؤال وقلت لها “إذن هو المرض؟” أجابت بحسرة “انه موجود وغير موجود يعيش ولا يأخذ شيء من الحياة لم يعش لحظة الحزن ولا الفرح، هائم بعالم لا نعرف له حدود شارد لا يتكلم وان تكلم لا نميز كلامه نطعمه وهو لا يحس بالجوع ونتوقف عن إطعامه وهو لا يحس بالشبع”..!

فقلت لها “هل هذا لغز؟؟” قالت “لقد كُتبتُ عليه الوحدة، لا صديق له، ولا حبيبة وليس له غدٍ يعيش لاجله، و حزني يكبر كل يوم عندما أرى ولدي يتقدم به العمر وتكثر احتياجاته وأنا تقلّ قدرتي على العمل”..

فأدركتُ ما تتكلم عنه، إنها مأساة وجود إنسان من ذوي الاحتياجات الخاصة في الأسرة مصاب بالشلل الدماغي.. عندها أحسستُ بحجم مسؤوليتها و سبب شرودها وحزنها وألمها.

مصطلح (ذوي الاحتياجات الخاصة) يشمل (الأشخاص الذين يعانون من حالات ضعف معينة تزيد من مستوى الاعتمادية لديهم وتحد من قدرتهم أو تمنعهم من القيام بالوظائف المتوقعة ممن هم في مثل عمرهم بشكل مستقل).

تقدر نسبتهم بحوالي 10% من سكان العالم 80% منهم يعيشون في دولنا دول العالم الثالث.

وقد تعتبر ظاهرة ذوي الاحتياجات الخاصة أو ما يعرف بـ (المعاق) سابقا، واحدة من جملة المشاكل التي يعاني منها مجتمعنا العراقي إلى الحد الذي وصل عددهم إلى أكثر من المليون ونصف المليون مصاب، حيث يحتل العراق مركزا متقدما جدا بين دول العالم ولعله من أكثر البلدان في العالم الذي تتزايد فيه معدلات الإصابة بشكل يومي و كبير..

إحدى الأسر لديها ثلاث حالات إصابة بالشلل الدماغي و هم الابن الأول (ماهر تولد 1973) مصاب بتخلف عقلي شديد مع نوبات صرع متكررة وعاجز كليا والابنة الثانية (هبه تولد 1989) مصابة بتخلف عقلي شديد مع شلل رباعي وعاجزة كليا والابنة الثالثة (سهى تولد 1992) مصابة بتخلف عقلي شديد مع شلل رباعي وعاجزة كليا أيضا وذلك حسب التقارير الطبية التي شخصت حالتهم.

طرح عليهم عدد من الأسئلة لمعرفة مدى صعوبة القيام بهذا العمل في حالة عدم توفر مراكز متخصصة لرعاية المصابين أو دور لتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة من قبل الدولة.

حول اللحظات الأولى لسماع الأم إن طفلها سيكون من ذوي الاحتياجات الخاصة، قالت: “لقد كنت سعيدة جدا إثناء ولادة طفلي الأول وكذلك العائلة، واخترنا له الاسم وكل شيء فكرنا به إلاّ أن يكون طفلي يشبه هؤلاء الأطفال الذين كنا نشاهدهم يتجولون أحيانا في الطرقات ويلفتون الأنظار، لقد كانت لحظات قاسية جدا وصعبة على الأم إن تتقبل هذه المشاعر فهي بين الرفض لقبول الواقع وبين عاطفتي كأم وهو طفلي جزء مني وبحاجة إلى حناني وعطفي، عانيت كثيراً لتقبّل الواقع والتكيف مع الوضع الجديد والتعامل معه، وقد كانت عاطفة الأمومة اقوي من أي شيء أخر، فضممته إلى صدري وقلت هذا هو قدري، ولكن تكررت نفس الحالة ونفس المعاناة عند ولادته شقيقتيه، وهنا أصبحت الأمور أكثر صعوبة بوجد ثلاث أشخاص بحاجة إلى نفس الرعاية والمتابعة والاهتمام وقد تكون أكثر لإحداهن، فهي طريحة الفراش لا تقوى على أي شيء”.

وفيما إذا كانت الأم هي من تتولى العناية بهم وعن دور الأسرة قالت “الأب أيضا يؤدي نفس دوري إن مرضتُ أو اضطررتُ للغياب عن المنزل فهو يعلم جميع احتياجاتهم، وأيضا هنالك الأخ والأخت، لقد ضحت الأسرة كلها براحتها في سبيل الاعتناء بهم، فليس من السهولة القيام بهذا العمل بمفردي، لقد فقدنا أشياء كثيرة بسبب الإصابة، فابنتي مثلا تنازلت عن حقها بالزواج لأنها تعلم ظروفنا ومقدار الجهد الذي نبذله في سبيلهم، لذلك فضلت وأيضا اضطرت للبقاء بجانبي ومساعدتهم”..

وعن إحساس المصاب عند مداعبة الأم له وإعطاءه حنان الأمومة وهل يتفاعل مع إحساسها ومشاعرها وهل يميزها من غيرها من النساء أم لا، قالت “إنهم يحسون بعاطفتي ويتفاعلون معها وقد تكون عاطفتهم أقوى من الناس العاديين، وليس أنا فقط من يبادلونه الحب، هنالك الأب أيضا، فهم متعلقون به جدا، وكذلك الأشقاء، والمصابون يسألون عن أي فرد إن غاب عن البيت ولو بالإشارات، مع أنه لا نطق لهم ولا ذاكرة”..

وبخصوص الكيفية التي تنظر الاسرة لواقعها، وهل هي حكمة الله أم قدر مفروض على الأسرة، قالت “الاثنان معا، إنها حكمة الله ونحن نرضى بذلك، وأيضا هذا هو واقع الحال يجب أن نتلاءم معه ونتعاون عائليا لمساعدتهم فهم لا ذنب لهم بذلك”.

وفيما إذا كانوا يخجلون من إصابات أبنائهم وهل يحاولون إخفائهم عن عيون الآخرين، قالت “لا نخجل أبدا من وضعهم، ولكن أحيانا نسمع كلمات تؤذي مشاعرنا مثل (حرام ماذا بهم) (لماذا هم هكذا) (ماذا فعلتي أنتِ أو والدهم لكي ترزقون هكذا أطفال) وغيرها مما نضطر إلى إبعادهم لنتجنب تلك العبارات، وأيضا حالتهم الصحية لا تسمح لهم بالاختلاط بالآخرين كثيرا، لعدم مقدرتهم على تسيير أمورهم الشخصية بأنفسهم، و قسم من الناس بكل بساطة يصفونهم بـ (الجنون) ونحن لا نقبل أن نعرضهم لمثل هذه المواقف.. نحن نفهم إن مَن هُم بعمر ابني وهو تولد 1973 هم الآن رجال متزوجين ويعملون ولهم أطفال، أما ابني فقد حرم من كل شيء، ونحن راضون بذلك، ولكن نتمنى من الغرباء تقدير موقفنا وموقف أبناءنا فهم لا ذنب لهم بذلك”.

وفيما إذا كانت الأم تشعر بنوع من الذنب تجاه أطفالها لإنجابها أطفال باحتياجات خاصة، قالت “لا ا بدا، ليس لي ذنب بذلك، فأنا من يدفع ثمن إصاباتهم منذ أكثر من 35 عاما، قد يكون السبب شيء بسيط ونحن لم نحتسب له، لقد تزوجتُ من ابن عمي، ويقال إن جزء كبير من سبب الإصابة هي نتيجة ذلك، ولكننا لم نفكر بذلك عند الارتباط، ونعتقد إن القدر له دور أحيانا في ذلك”.

وعن اشد المواقف إيلاماً لها كأم وعن أكثر موقف أحزنها، قالت “إننا أسرة لنا مشاغلنا وأمورنا اليومية، يحدث أحيانا أن انشغل بأمور أخرى غير أبنائي المصابين، مثل الأعمال المنزلية فأعود و أجد احدهم قد سقط على الأرض وأصيب بجروح عديدة ونزف دموي فأساعده على النهوض وأنظف جرحه وأضمده فألوم نفسي على ذلك لكوني قد أهملته قليلا، أما هو فلا يشعر بشيء. وأحيانا عندما أرى آخرين في مثل عمرهم سالمين أصحاء يمارسون حياتهم الطبيعية بكل حرية وبلا احتياج وانأ أبنائي محرومين من كل شيء كالتعليم والعمل، وأيضا لا يستطيعون مساعدة والدهم في تمشية أمورنا المعاشية، وآنذاك أشعر بيني وبين نفسي بإحباط مدمر وقاتل”..

وفيما إذا كانت تفضل أن يكون لها طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة أو أن لا يرزقهم الله بأطفال، قالت “بالتأكيد وجود أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة أفضل بكثير من عدم أنجاب أطفال مهما كان وضعهم، أنا أحب أطفالي بشكل كبير جدا، رغم إنني أعاني كثيرا، ولكن الأهم لدي أطفال اعتني بهم، كما إننا لا ننظر إليهم كمصابين فقط، بل انتم أو المجتمع تتعاملون معهم هكذا، إنهم أبناءي ولا فرق بينهم وبين أبناءي الأصحاء، لقد تعودنا على وضعهم وعلى أصابتهم وأيضا على انشغالنا بهم كل الوقت وليس كل أطفالي مصابين أنها نعمة أيضا يجب أن لا أنكرها”.

وعن الاختلاف في تربية الفتاة ذات الاحتياجات الخاصة عن الشاب، قالت “بصراحة، بعد بلوغ الفتاة تصبح العناية بها أصعب بكثير، وتحتاج إلى رعاية خاصة ومتابعة خاصة، بالإضافة إلى المتابعة اليومية لها، ينبغي الحفاظ عليها ومراقبتها، كونها لا تعرف ما هو المسموح به من غير المسموح ولا تجيد معرفة حدود التعامل مع الآخرين، لأنها غير مدركة بالأعراف الاجتماعية السائدة لدينا”.

وبخصوص ما حصل من مضاعفة في مسؤولية الأم بوجود ثلاثة أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة في حياتها، ختمت ضيفتنا حديثها بالقول “قد لا يخفى على احد الصعوبات التي تواجهها الأسرة إن ظهرت هكذا حالة بها، حيث تتضاعف الصعوبات بوجود أكثر من مصاب، فنحن لنا متاعب عديدة سواء نفسية أو جسدية، ونعمل اليوم بأكمله لتوفير احتياجاتهم والاعتناء بهم، وكذلك مراجعاتنا التي لا نهاية لها للأطباء لحاجتهم اليومية للأدوية ولمحاولة تحسين جزء بسيط من وضعهم ولكن بلا أي نتيجة تذكر، و أود أن أشير لمسالة اجتماعية مهمة حيث إننا محرومون من ابسط المشاركات الاجتماعية التي تقوم بها ألأسر الأخرى، فمثلا لا نستطيع أن نؤدي واجباتنا الاجتماعية مع الأهل والأصدقاء وهذا ينسحب أيضا على الواجبات الدينية، إذ ليس بمقدورنا ممارستها لأنه بكل بساطة لدينا ثلاثة مصابين، أين لهم أن يقضوا احتياجاتهم إن كنا في مكان عام مثلا؟ أن العناية اليومية بهم من حيث النظافة وإطعامهم بأوقات محددة وبكميات محددة يوميا ولمدة 35 عاما ليس بالأمر اليسير أبدا، إضافة إلى المعاناة من الحالة الاقتصادية حيث, كانت لنا ظروف صعبة جدا أيام الحصار الاقتصادي وقلة الرواتب، وانتهت تلك الظروف وتحسن الوضع، و لكن يبقى لنا عتاب بسيط على شبكة الرعاية الاجتماعية، فقد قمنا بتقديم عدة طلبات ولعدة مرات لغرض شمولهم بالمنح الشهرية المقدمة من قبل الشبكة ويتم رفض جميع الطلبات ولحد الآن بحجة عدم شمولهم بمنحة شبكة الرعاية الاجتماعية، وانأ أتساءل إذا كان ذوي الاحتياجات الخاصة غير مشمولين مع أنهم عاجزين وبحاجة إلى متابعة طبية مستمرة فمن يكون مشمول؟ هل الأصحاء.. لا اعلم؟”..

مقالات ذات صله