كون الكتابة تفضي إلى بعضها… فهل من الظلم سجن الكاتب في غرفة جنس إبداعي واحد؟

بغداد_ متابعة

كان الروائي المصري يوسف القعيد، يتمنى كتابة الشعر وفي حوار صحفي اجرى معه في وقتها قال : أنا أرى أن أجمل الروايات هي من كتبها شعراء سابقون، أم لا يزالون ينمون الشعر .. حزين لأنني لم أكتب الشعر .. أنا ممن يحبّون السرد فقط، وسبق أن كتبت مسرحية، واكتشفت أنها تخلو من الدراما المطلوبة للمسرح، واعتبرتها من النزوات التي من حق الكاتب أن يمارسها في بعض الأحيان .. أكتب الرواية، والقصة القصيرة، والمقال الصحافي، لكن لا أكتب الشعر، مع أني أراه أعظم ما أنتجت الحضارة العربية، مضيفاً: أحياناً تسلل اللغة الشعرية إلى الرواية يضيف إليها، واحياناً يمكن أن تعرقل السرد.

يلاحظ أن كثيراً من الروائيين هم بالأساس شعراء .. هل هذا يعني أن الروائي درجة متقدمة على الشاعر .. وهل يجب على المثقف أن يتخصص في كتابة جنس ادبي واحد، مثل أن يكون قاصّاً أو شاعراً أو روائياً، أو كاتباً مسرحياً، أو “سيناريست”، لضمان تميز إنتاجه، أم أن التميز يكون بشمولية ما ينجز؟!

الكاتب يكون أو لا ..
يقول الروائي احمد المديني “نحن تعدينا نصوص الملحمية الإغريقية أساساً، المنظومة شعراً، والمحمولة سرداً وإخباراً، بشخصيات ومصائر، فإن الروائيَّ ليس هو الشاعر، ولا الروايةُ هي الشعر. إنهما جنسان وتعبيران مختلفان من عائلة الأدب الكبيرة وشجرته الوارفة. وغير هذا تزيّدٌ وتمحُّلٌ لا يجد له أي سَنَد في تاريخ الأدب، والاحتجاج بشأنه ضعيف في إطار نظرية الأدب ونقده. إن مسألة التجنيس ليست وجهة نظر، أو تأتـي حسب المزاج، لا باجتهادات تجريبية مزعومة، ذلك أن التجريب ذاتَه عبارة عن انزياح يتمّ ضمن حدود وفضاء الجنس وقواعده”.

ويضيف أن” منطلق نظرية الأجناس الأدبية، المحكومة بقواعد وخصائص مُأصِّلة، مُمَيَّزة ومميِزة، لنصوص تجسدها وجاء تخلُّقُها منسجماً مع مراحلَ إنسانيةٍ وذوقيةٍ وتاريخيةٍ محددة وخصوصية، فإنه لا مجال ولا معنى أيضا للمفاضلة، لا بين النص الشعري ولا النص السردي التخييلي، المهم فيهما أنهما يلتقيان معاً في الجذر المشترك للأدب وما يحتاجه حقا”ً.

وتابع” لقد كُتبت نصوص سردية ظهرت فيها نزعة شعرية، أو تراوح بين النسج الشعري ومقتضى الأسلوب والعدة القصصيين. في الأدب الغربي أمثلة منها، والأدب العربي، بما سماه الراحل إدوارد الخراط الكتابة عبر النوعية، أي تخلُّل نوع أدبي(شعر)لآخر(سرد ـ تخييل) والحق أن الخراط إنما كان يبرر طريقة له في الكتابة وينظّر لها، من مسمياتها (محكيات)، وإذا كان قد هيأ لها بحكم موهبته بعض ما يسوغها فهذا لم يتوفر لكثيرين جاؤوا بعده، وغيرهم ممن ركبوا ظهر هذه الموجة حسبوها سهلة واتخذوها مطية لوصف أو تجنيس أي كلام أو إنشاء غثّ شعراً تارة، وروايةً أخرى، كم منه أهوالٌ وعاهات”.

ويؤكد المديني “قد يحوز الأديب موهبة متعددة فتتنوع أصناف قوله، وتنقله بين الإبداعي بأنواعه بين النظري النقدي، كل حسب استعداده ومؤهلاته، والأمثلة بلا حصر، بل هي مقياس أحيانا، إذ الاختصاص بتعبير مفرد دون استثناء أمر مستجد، وإلا فالأديب موسوعي الثقافة والقول.”

لا علاقة مباشرة

فيما يرى الروائي أمير تاج السر “في رأيي لا توجد علاقة مباشرة بين الشعر والرواية، أو بين المسرح والرواية، وهكذا، فالشعر موهبة من المواهب الكبرى التي تؤتى للبعض ولا تؤتى للبعض الآخر، خاصة الشعر المليء بالموسيقى والصور الجميلة، وليس أي شعر طبعاً، الرواية أيضا موهبة في الأساس لكن اتضح أنه يمكن كتابتها للراغبين في ذلك بشيء من التدريب، في ما سمي ورش الكتابة.”

وأوضح أن ” الذي يلتقط الخطوات الممكنة لكتابة رواية، مع شيء من الصبر، يمكن أن يكتب، وأن ينجح طبعاً، ولم نسمع بورشة لتعليم كتابة الشعر، وطبعاً كتابة الرواية نفسها تختلف من كاتب لآخر، بمعنى حتى لو كتب الناس كلهم روايات، لا بد أن هناك مَن تلمع روايته، بسبب الموهبة في الأصل، ومن ثم التدرب على الكتابة”.

وبين ” لا أعتقد أن معظم الروائيين كانوا شعراء، ولكن بعضهم كان شاعرا، أو بدأ بالشعر ثم لسبب أو لآخر، اتجه للرواية كما حدث معي حيث استمررت أكتب الشعر حتى نهاية مرحلة الدراسة الجامعية، ثم فجأة تحولت للرواية، وحقيقة في ذلك الزمن، أي نهاية ثمانينيات القرن الماضي، لم تكن الرواية مغرية بكتابتها، ولا كانت “موضة” كما يحدث الآن، لذلك فإن الشعراء الذين تحولوا لروائيين، أو ظلوا يكتبون الشعر والرواية في الوقت نفسه، مثل إبراهيم نصر الله كانوا مدفوعين بموهبة كبيرة، وكانت لديهم أقوال كثيرة، ربما خشوا أن لا يستوعبها الشعر، ولا مانع طبعا أن يستمر الإنسان شاعرا حتى بعد كتابة الرواية، وأصلا الشعر لا ينتهي أو لا يمكن هجره، وتظهر مفردات الشاعر جلية في سرده. وأعتقد أن ذلك لا يمنع التميز، بمعنى تعدد التخصصات، بالعكس يعطي تميزا أكبر للموهوب”.

 

الكتابة تفضي إلى بعضها

اما الروائية نجوى بن شتوان تقلو ” لا أعرف تفسيراً لتشابه الحالة عند الكتاب العرب، أن بداياتهم غالباً ما كانت شعرية، ربما لأننا أمة شعر بالأساس والرواية كجنس أدبي حديث ليس له الأسبقية التاريخية والتراثية الموغلة في الوجدان العربي على الشعر, ولكن الكتابة تفضي إلى بعضها على أي حال، ومع الوقت يقل اهتمام الكاتب بتصنيف ما يكتب وينشغل بقضايا إبداعية أخرى حتى يكاد ينسى هل هو قاص أم روائي أم صحافي أم شاعر (…) الخ، لا سيما إذا تعددت أعماله. أعتقد كذلك بوجود فترات ازدهار لبعض الأنواع الأدبية على سواها، ومن الواضح أنها تجر إليها، فالشعر احتل الصدارة قروناً طويلة ثم كانت القصة القصيرة مثار اهتمام الكتاب، والآن يبدو أنه عصر يرتفع فيه نجم الرواية. هذا ويبقى التصنيف جزئية ذات أهمية أكاديمية فقط قياساً للمنجز الأدبي للكاتب”.

 

لا درجات في الإبداع
في حين لايؤمن الروائي الحبيب السالمي بأن هناك درجات في الإبداع، لذا لا يعتقد أن الروائي درجة متقدمة على الشاعر.

ويقول ” عى أي حال الشعر لا يوجد بالنسبة لي في القصيدة وفقط، وإنما في الرواية أيضا.. لا توجد قواعد في الإبداع.. هناك شعراء بدؤوا تجاربهم بالرواية أو القصة القصيرة. وهناك روائيون بدؤوا شعراء. وهناك من يكتب الرواية والشعر في آن واحد”.

وتابع “أما بخصوص مسألة التخصص فهي لا تخضع أيضاً لأية قاعدة.. شخصياً بدأت تجربتي بكتابة القصة، ثم انتقلت إلى الرواية، ولكني لم أتخل عن القصة التي أعتبرها جنساً رائعاً.. الشمولية ليست في حد ذاتها قيمة.”

 

مقالات ذات صله