كونه خربشة ناقدة على الجروح .. فن الكاريكاتير فسحة من حرية محاصرة بخطوط حمراء

 

بغداد_ متابعة

فن الكاريكاتير هو رسم تخطيطي بسيط يتخطى حدود التعبير، ويدفع المتلقي إلى التفكير من خلال خطوط ساخرة ومعبرة تنتقد أوضاعا ثقافية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، أو تقاوم الظلم في جميع أشكاله، ومن خلال بساطته يكون له تأثير كبير، لأنه يعبر بصدق وشفافية، ويبعث أيضًا على البسمة والضحك والأمل أحيانًا.

الضحك نزعة غريزية لها قيمتها في حفظ حياة الفرد والمجموعة، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف الفكاهة ويتفنن في صنع الضحك، ولقد تطورت هذه النزعة من ضحك تثيره مواقف وأمور عارضة إلى ضحك تثيره أمور ومواقف مقصودة، أي معدة بقصد، كان واحد منها فن الكاريكاتير الساخر.

فن الكاريكاتير كالتمثيل الهزلي، الهدف منه ليس هو الضحك والإضحاك فقط، بل في كثير من الحالات هو تقويم وتهذيب وإصلاح ونقد، وذلك من خلال نقد أشكال من القبح أو النقص أو الخروج عن المألوف بداخل المجتمع، لكن يشترط في هذا النقد ألا يجرح كما يجرح الهجاء، فهو باختصار يحقق المثل القائل ‘شر البلية ما يضحك’، فالكاريكاتير فن خطير، وتكمن خطورته في سهولته وبساطته وسرعة وصوله إلى عقل كل إنسان باختلاف ثقافته أو وظيفته أو وضعه الاجتماعي، فإذا كانت النكتة التي تنتشر في أي مجتمع ذات انتشار واسع، فإن فن الكاريكاتير هو النكتة الممثلة والمصورة المكتوبة، وهو ليس من الفنون السهل إجادتها أو تقليدها على أي فرد.

 

الأديب الروسي مكسيم غوركي قال، ‘فن الكاريكاتير ذو قيمة اجتماعية نافعة، يعكس أشياء مختلفة غير منظورة بوضوح لنا، وبأسلوب بسيط، يعكس لنا وجوها وأنماطًا جديدة معينة لتصرفات أناس يعيشون بيننا، عدا عن الطرق الملتوية التي يخوضها فنان الكاريكاتير، والتي عادة ما تكون لأبطال معروفين أو لمرشحين أو رؤساء أو وجوه لمواطنين غير راغبين بأن يكونوا أبطالًا .

يعتبر الكاريكاتير ابناً باراً للفن التشكيلي، وهو من الفنون القادرة على إيصال الفكرة التي يريدها الرسام بأبسط الخطوط وأقلها كلاما، ويقسمه المختصون إلى ثلاثة أنواع، الكاريكاتير السياسي، والكاريكاتير الاجتماعي، والكاريكاتير الرياضي.

وتعود بداياته في العراق إلى عشرينيات القرن الماضي متأثرا بالصحافة التركية، لكنه ما لبث أن تطور مع ظهور المجلات والصحف الهزلية في الثلاثينيات والأربعينيات، واشتهر الفنان “غازي” كأول رسام يؤسس لملامح كاريكاتير عراقي نضج في الستينيات، وشهدت السبعينيات عصره الذهبي مع الأسماء التي ما زالت إلى الآن تحتل واجهة الصحف والمجلات ومواقع الإنترنت.

يقول الرسام عبد الرحيم ياسر ، “لو نظرت إلى رسامي الخط الأول من الكاريكاتيريين العراقيين لوجدتهم جميعا من التشكيليين المميزين في الرسم، وبعضهم أصحاب جوائز عالمية”.

ويضيف الفنان الذي اختير واحداً من بين أفضل عشرة فنانين في العالم في معرض فينسيا الدولي “بينالي” الذي أقيم في مدينة البندقية الإيطالية عام 2013 “لاشك أن هامش الحرية اليوم أحسن من السابق ومنصوص عليه في الدستور، لكن التابوات لم تزل تمارس ضغطها على الرسام، ليس بالضرورة من الحكومة وإنما من قوى خارجية وما أكثرها الآن في الواقع العراقي”

هذه التابوات يسميها الكاريكاتيري المعروف خضير الحميري “خطوطا حمراء لا يجوز للرسام الاقتراب منها، ولو نظرنا إلى عدد رسامي الكاريكاتير في العراق لوجدناهم لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، بعد أن هاجرت أسماء كثيرة خوفا من التصفية، وإذا كانت الصحافة مهنة المتاعب فإن الكاريكاتير رأس الحربة فيها، وأقصد هنا الرسامين المؤثرين في المتلقي ومن ذوي البصمات المعروفة التي بإمكانك معرفة منتجها حتى لو لم يضع توقيعه عليها”.

ويقول عبد الرحيم ياسر، إن هناك أساليب لفن الكاريكاتير في العراق وليس مدرسة، ولكل أسلوب ثمة ما يميّزه، فبعض الرسامين يعتمد على شرح “الواقعة الكاريكاتيرية” لتقريبها إلى المشاهد، وبعضهم يكتفي بجملة واحدة، أما أنا فمقتصد تماما في اللغة تاركا التأويل لمن يشاهد رسومي وفي هذا الكثير من المتعة كما أعتقد”.

للحميري رأي آخر حيث يقول “في أحاديثنا المتبادلة نذكر مدرسة مصرية ومدرسة عراقية وأخرى لبنانية، ولكن الحقيقة أن هذا القول مبالغ فيه كثيرا فعدا الجهود الكبيرة التي بذلها رسامو الكاريكاتير في مصر في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات والتي علمتنا الكثير يصعب الحديث عن مدرسة هنا وهناك، وإذا كانت ثمة مدرسة عربية في الكاريكاتير فإنها تأخذ ملامحها من الوضع العربي عموما”.

ويقر خضير الحميري بأن “التعليق” أحد الأركان المهمة لفن الكاريكاتير، فكما أن الخطوط تمتلك طاقتها التعبيرية فإن لغة التعليق والتهكم لديها طاقتها الكبيرة أيضا ولذلك فإن النمطين يسيران معا، وغالبا ما يمارسان من قبل الرسام نفسه، فلكل مجاله الذي يمكن أن يوصل المغزى بشكل أكثر بلاغة.

يذكر أن عبد الرحيم ياسر ولد في محافظة القادسية جنوب بغداد عام 1951 وحصل على شهادة الدبلوم من معهد الفنون الجميلة – بغداد عام 1975 وحصل على شهادة البكالوريوس من كلية الفنون الجميلة بغداد-فرع الرسم 1980 عمل في مجال “أدب الطفل” منذ 22 عاماً مضت ويشغل حالياً منصب معاون مدير عام دار ثقافة الأطفال.

أما خضير الحميري فقد ولد في محافظة بابل جنوب بغداد عام 1955 ويحمل شهادة الماجستير في العلوم الاقتصادية، يتعاطى رسم الكاريكاتير بشكل يومي وذلك لكثرة التزاماته مع الصحف والمجلات وهذا ما جعله يلزم بيته منشغلا ما بين الرسم والكومبيوتر.

مقالات ذات صله