كونها المحرك الأساسي للثقافة  .. هل تعتبر ترجمة الأدب العربي معيار أدبي صرف أم شهرة الرواية في بيئتها؟

 

 

بغداد_ متابعة

الترجمة هي محرك ثقافي يفعل فعل الخميرة الحفّازة في التفاعلات الكيماوية؛ إذ تقدم الأرضية المناسبة التي يمكن للمبدع والباحث والعالم أن يقف عليها ومن ثم ينطلق إلى عوالم جديدة ويبدع فيها ويبتكر ويخترع. هذه الأرضية تصنعها الترجمة بما توفره من معارف الشعوب الأخرى التي حققت تراكمًا عبر التاريخ يمكنها دفع النخبة الفكرية من النقطة التي بلغتها الثقافة البشرية وليس من الصفر، وكذلك بما تقدمه من نماذج وأساليب تمكنت الشعوب السابقة من إيجادها عبر كفاحها المتواصل والمستمر لتحسين العقل البشري وتطوير المعرفة لدى الإنسان، ولكن لا بد من طرح عدة تساؤلات أهمها هل هناك معيار يجعل من الرواية العربية مرشحة للترجمة إلى لغة أجنبية ؟.. وهل هو معيار أدبي صرف؟ أم شهرة الرواية في بيئتها؟

فتنطوي عملية الترجمة على مشكلة أخرى تتمثّل في قواعد النحو، إذ يوجد في اللغة العربية ثلاثة أزمنة هي الماضي والمضارع والمستقبل. ولأن اللغة العربية لا تعرف الأزمنة التامة أو المستمرة، ينبغي للمترجمين صياغة الجمل الإنكليزية في أقرب زمن ممكن. وفي ما يتعلّق بالضمائر، تضيف اللغة العربية ضمير الغائب المتصل إلى نهاية الفعل مرّة واحدة، فيما يتكرر وضع الضمائر قبل كل فعل في اللغة الإنكليزية. كما لا تستخدم اللغة العربية أيضاً الكلمات المختصرة، ليصبح المترجم حبيس أسوار المعاجم المفتوحة والمقيد بكلمات محددة عليه أن يقوم بتحويلها إلى لغات أخرى والبحث عن الاستعارة باللغة الأم.

لكل هذه الأسباب، هل ينبغي للمؤلف أن يكون على تواصل دائم بالمترجم خلال مرحلة الترجمة للتأكد من صياغة النص المترجم بدقةٍ عاليةٍ؟

أسدت الكاتبة سوزان أبو الهوى أيضًا بعض النصائح للمؤلفين الراغبين في ترجمة أعمالهم الأدبية، فأشارت إلى أهمية التحدث مع المترجم وبناء علاقة جيدة بين الطرفين. وأوضحت أنه إذا كان المؤلف عربياً ويستطيع قراءة العربية، فمن المهم أن يتحاور باستمرار مع المترجم، لا سيّما إذا كان مهتماً بأن يكون جزءًا من عملية الترجمة، وإذا كانت العالمية مقترنة بالترجمة إلى لغات أخرى، فإن الروائي السوداني أمير تاج السر، يقرن هذه العملية (الترجمة) بعوامل شتى أجملها في “الحظ والمصادفة والعلاقات الخاصة التي تربط كاتبا عربيا بمترجم أوروبي أو النبش في مواضيع، يهم الغرب أن يعرف عنها شيئا مثل الكتابة في الدين بسلبية، وإيراد مقتطفات من العنف..”، لافتًا إلى أن الكاتب العالمي هو الكاتب الذي يحدث، هو أو نصه المترجم  تأثيرا ما لدى جمهور أعرض من جمهور القراءة الروتيني الذي يلهث وراء الكتب، جيدها ورديئها، وأن يكون مدرسة كتابية تؤثر في أجيال كتابية في أية لغة يترجم إليها.

وعن الحديث حول هذا الموضوع مع الأديبة “سناء عبد العزيز” حائزة المركز الأول عن جائزة الطيب الصالح عن رواية “فيدباك” فأشارت أن يحتكم الإبداع إلى معايير بعينها حتى مع إضافة كلمة شيقة مثل فنية؛ لا أجده أمرًا مريحًا، فالمعايير مسألة تالية للإبداع وليست سابقة عليه، كما أن كلمة معايير في حد ذاتها تتضمن تقييدًا لحرية الإبداع فعادة ما تفاجئنا أعمال ضربت كل المعايير بعرض الحائط وحققت ذيوعًا وانتشارًا ووضعت معاييرها بنفسها، ومن هنا يأتي الذيوع باعتباره الأساس في الاختيار عند الترجمة ولعل الذيوع لا يأتي إلا من ملامسة العمل لقلوب فئة عريضة من القراء لم يضعوا تلك المعايير في أذهانهم وهم يقرؤون هم فقط أحسوا واهتزوا لما قرأوا، وانتشار العمل في بيئته هو ما يجعله مرشحًا بقوة للترجمة لنيل مزيد من الذيوع في بيئات أخرى واختباره على أذن القارئ الذي يحمل ثقافة مغايرة.

أما مسألة أن يتواصل المترجم مع كاتب العمل فهو يستدعي سؤالا مهما: ماذا عن الأعمال التي مات كاتبوها، قد يكون مهماً إذا ما تسنى للمترجم التواصل مع الكاتب، فكثيرا ما يقف المترجم عند تعبير بعينه ويظل يلح عليه سؤالا ماذا قصد؟ ولكنه بمجرد أن يتوغل في النص يتسلل إليه المعنى وكأن النص نفسه قد سلم زمامه إليه بعد أن تعارفا.

وأكد المترجم “أحمد صلاح الدين” الذي اشتهر بترجماته من الروسية إلى العربية، أنه بالطبع هناك معايير لاختيار العمل المترجم، ويجب أن يكون العمل أصيًلا ومتميزًا في لغته الأصلية بالأساس، وأن تكون الفكرة التي يتناولها تقدم جديدًا للقارئ وذات قيمة فنية. ولكن هناك أمراً مهماً، أن ذائقة القارئ تختلف من بلد لآخر، فربما يستقبل القارئ في لندن عملًا بشكل يختلف عن استقبال قارئ في براغ على سبيل المثال. وفي الحقيقة، ما يحدث خلال سنوات طويلة أن الأعمال تترجم بالأساس لسببين رئيسيين: الأول، حصول العمل أو صاحبه على جائزة هامة مما يلفت نظر الناشرين لها فيتم ترشيحها للترجمة على الفور. السبب الآخر، أن العمل يتناول فكرة مثيرة للجدل، حتى وإن كان العمل ضعيفا. وربما يترجم العمل لأن الكاتب له علاقة قوية بأهل الثقافة، كأن يكون مقيما مثلا بصفة دائمة في البلد التي يترجم عمله إلى لغتها، أو أن يكون قد درس في هذا البلد وصار من أعلام الثقافة والفن، وظل متواصلا مع أهل الأدب هناك. لكن ورغم كل شيء، أرى أن القيمة الأدبية للعمل هي الباقية ويجب أن تكون هي المعيار الرئيسي وليس غيره، وليتحقق هذا يجب وجود عملية فرز نقدي حقيقي ومحاولات مستمرة لمد جسور التواصل التي تسمح دائما بتعريف الكتّاب وأعمالهم للقارئ الأجنبي بما يخلق مساحات تلقٍ واسعة تستقبل الأعمال المترجمة.

وعلق محمد حسن علوان على أهمية الترجمة والجوائز الأدبية بأن لها مهمة أساسية وهي التشجيع والدعم، وليس المحاكمة والفرز. وبالنسبة لروايتي فإن وصولها إلى القائمة القصيرة في البوكر عام 2013 هو أمرٌ إيجابي بحد ذاته، ولعل اهتمام الناشرين الأجانب بالرواية وترجمتها جاء ثمرة لهذا الترشّح المبكر للبوكر. كما أن فوزها بجائزة الرواية العربية عن طبعتها الفرنسية هو أيضاً فرصة لإقناع أكبر عدد ممكن من قراء الفرنسية بقراءتها وهو ما يحقق لي تشجيعاً ودعماً كبيرين، وهو ما يحقق أهداف الجائزة.

مقالات ذات صله