كونها الثريا التي أنارت طريق السردية … أعادة نشر أول رواية عراقية بعد مئة عام

بغداد _ متابعة

ربما سمع الكثير من الأدباء رواية “جلال خالد” للأديب والصحافي العراقي محمود أحمد السيد التي صدرت طبعتها الأولى عام 1928، وتداولوها في المؤتمرات والمهرجانات وحتى الأماسي الثقافية حين يكون الحديث عن تاريخ السرد العراقي أو الرواية العراقية تحديداً وبواكيرها، لكن الأغلب والأعم من الأدباء وخاصة من الأجيال المتأخّرة لم يقرأ هذه الرواية، وهو ما يعطي أهمية بالغة لإعادة إصدار هذه الرواية الأولى عراقيا.

لكن إعادة نشر الرواية لا يخلو من مجازفة لأنها ربما لن تكون الرواية التي تحصل على مبيعات أكثر، ولكنها المجازفة الكبيرة في أن أوّل رواية عراقية يعاد طبعها ربما بعد أقل من 100 عام على صدورها وتلاقي الرواج عند الكتاب والأدباء وحتى القرّاء وهو أمر يدعو إلى التفكير مليا بتاريخ الرواية العراقية، وهو ما أكدته دار النشر بأن الإقبال على الرواية كان بشكلٍ غير متوقّعٍ، وما خطّطت له الدار بأنها تسعى إلى توثيق السرد العراقي وإعادة الروح إليه بغض النظر عن الربح.

إعادة إصدار هذه الرواية تعني إعادة الروح إلى النصّ السردي الرائع الذي كان من أولى علاماته التي يؤكّد عليها النقاد العراقيون أنه يحاول ربط الواقع بالوهم وتمييز الحقيقة من الوهم إذ تقدم الرواية قصصا مشوّقة وتعطي مرجعيات زمنٍ ومرحلةٍ مهمةٍ من تاريخ العراق. كما تبين المرحلة التأثيرية ما بين الأدب العربي والأدب المستورد أو أدب التأثّر بما وصل إليه في تلك المرحلة من محايثة وتأثير خاصة من حيث تأثير الترجمات التي كان يعيها محمود أحمد السيد بسبب دراسته في الهند ومعرفته باللغة التركية في حينها التي تطّلع على ثقافات أوروبا بكل تأكيد.

فرواية “جلال خالد” حتى وإن كانت تمازج ما بين القص والرواية فإنها اليوم ربما تكون أقرب إلى التلاقي مع المفهوم الجديد الذي ربط الرواية بالقصّة تحت يافطة السرد، ونتبيّن من خلالها أيضا المرحلة الثقافية التي كان عليها منتج النص في تلك الحقبة الزمنية. ولهذا فإن الخبر الذي تلقّاه الوسط الثقافي العراقي وخاصة الوسط الأدبي ومتلقّي النص الروائي، هو أن الجميع يعود إلى مرحلة التأسيس ثم ينطلق صعوداً إلى المراحل الزمنية التي امتدت من عمر الرواية العراقية خلال 100 عام والتي أنتجت المئات من الروايات. لكن رواية “جلال خالد” لمؤلفها محمود أحمد السيد تبقى الثريا التي أنارت طريق السردية العراقية، لأنها، أي هذه الرواية، ظلّت مثار إعجاب الأجيال اللاحقة لها في مرحلة الثلاثينات والأربعينات وحتى الخمسينات من القرن الماضي.

وقد تلا إصدار هذه الرواية خلال تلك الفترة إصدار روايات منها “مجنونان” لعبدالحميد فاضل و”الدكتور إبراهيم” لذي النون أيوب، الذي أصدر رواية ثانية حملت عنوان “اليد والأرض والماء” ليكون التطور اللاحق في مرحلة الستينات حين صدرت رواية “النخلة والجيران” لغائب طعمة فرمان ورواية “الوشم” لعبدالرحمن مجيد الربيعي في السبعينات. وقد ساهمت هذه الروايات في مغادرة الرواية العراقية للتأثير الأول كرواية أخلاقية ووعظية، الذي ابتعدت عنه الرواية الستينية، لتدخل الرواية العراقية مرحلةً جديدة.

لكن العين الأولى التي فجّرت ينابيع السردية العراقية كانت “جلال خالد” التي بثّت وجود القلق والأسئلة، سواء ما كان منها أسئلة وجودية أو أسئلة دينية، فقد أسّست لمنطلقٍ أن السؤال هو الأساس الذي تتحرّك حوله الممكنات السردية للبحث عن إجابةٍ جديدةٍ خارج دهشة القراءة، وما بعد القراءة وهي كذلك أسست للانتقاء الأيديولوجي في الكتابة وعدم التفريق بين الأفكار الخاصة والأفكار المبثوثة، لأن الوعي هو الذي يحرّك كلّ هذه المترابطات.

 

 

 

مقالات ذات صله