قلعة كركوك.. شموخ التأريخ وحاضر يتكأ على مفارقات الوجع

الجورنال – خاص

 قلعة كركوك تقع في مركز مدينة كركوك في العراق تقوم مدينة كركوك القديمة (القلعة) فوق مستوطن أثري قديم ورد اسمه في الألواح المستخرجة منه وعددها 51 لوحاً يعود تاريخها إلى منتصف القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وقد تم العثور عليها في سفح القلعة صدفة عام 1923. وتقول المصادر أن البابليين سموها (أرابخا) وسمى الآشوريون المستوطن القريب منها (أرافا) والتي حرفت في التاريخ القريب إلى (عرفه).

وتم إنشاء كركوك من قبل الملك الأشوري آشور ناصربال الثاني (884 ـ 858 ق.م) قبل سبعة وعشرين قرناً. بعد أن تمرد عليه قائد الماذيين اَرياق، واستولى على (كريامي / باجرمي) الواقعة بين الزاب الصغير وشهرزور. حيث قام بعزله وعين (كرمي) بدلاً منه، بعد أن أمره ببناء قلعة حصينة في (كورا باجرمي) في منطقة كركوك الحالية. حيث جاء بألف من أتباعه، وأسكنهم فيها. وذلك أصبحت القلعة حصناً دفاعياً أمام هجوم الأعداء. بعد عدة قرون دخل الإسكندر المقدوني كركوك بعد أن انتصر على الملك الفارسي داريوس الثالث في معركة أربيلو عام 331 ق.م. وقد مكث الإسكندر عدة أيام في كركوك، زار خلالها قلعة كركوك قبل أن يعود إلى بابل ليتوفى فيها عام 323 ق.م.

بعد وفاة الإسكندر اقتسم قادته مملكته فكانت كركوك من نصيب القائد (سلوقس) الذي أسس فيما بعد الدولة السلوقية 311 ـ 1319 ق.م. وتؤكد المصادر التاريخية أن القائد المذكور أقام على أنقاض المباني المهدمة قلعة حصينة مسورة بسور منيع عليه 72 برجاً، وشيد لها بابين أطلق على الأول اسم باب (باب الملك)، وعلى الثاني اسم (باب طوطي) وهو اسم حاكم القلعة آنذاك. كما قام بتقسيم القلعة إلى 72 زقاقاً. وقام كذلك بإسكان بعض العشائر حول سور المدينة فصارت تعرف المدينة منذ ذلك الحين باسم (كرخ سلوقس) أي (مدينة سلوقس). وتعتبر هذه التسمية منحوتة من التسمية الآرامية كرخاد – بيت سلوخ.

بعد وفاة سلوقس، انتقلت القلعة وما حولها إلى خلفائه حتى انتزعها منهم البارشبول (256 ق.م). وفي عصر البارثين كثرت الفتن، والاضطرابات الداخلية فساءت الأوضاع واندلعت الحروب بينهم وبين الرومان مما أضعف دولتهم فاستغل الساسانيون ضعف البارثين فهجموا عليهم، واسقطوا حكمهم. في حدود سنة 227 ق.م ولم يتم خلاص أهالي (كرخيني) إلا على يد الجيوش الإسلامية التي قضت على الدولة الساسانية. وقد عاشت المدينة فترة من الرخاء والاستقرار حتى فترة اكتساح المغول بلاد المسلمين فدخلت كركوك تحت حكم التتار.

اسم كركوك في جغرافية بطليموس هو (كركورا) وهو (كونكون) في خارطة الطرق الرومانية. ومن المثير للانتباه هو عدم ورود اسم كركوك في الكتب التي تتحدث عن الغزوات، والفتوحات الإسلامية. يكتفي ياقوت الحموي في معجمه بالحديث عنها بقوله (إنها ـ أي قلعة كركوك ـ قلعة في وطأ من الأرض حسنة، حصينة بين داقوقا وأربل. رأيتها، وهي على تل عال، ولها ربض صغير.) كما ورد ذكرها في كتاب (الكامل) لابن الأثير باسم (بلد كرخيني). ولعل أقدم ذكر لاسم كركوك هو ما ورد في كتاب (ظفرنامة ـ كتاب النصر) لعلي اليزدي، وهو من أهل القرن التاسع الهجري، في أنها تقع قرب طاووق (داقوق).

ويذكران اشتهرت منذ العصور القديمة بنارها الازلية في منطقة بابا كوركور واقدم ذكر للمدينة الى العهود السومرية من عصر فجر السلالات (2600) ق . م .

وهي المدينة العريقة في القدم ( أرابخا ) وهي الدولة التي ظهرت في الالف الثاني قبل الميلاد وكانت تقوم على مجرى نهر الخاصة وأكدت هذه الحقيقة قراءة الرقم الطينية المستخرجة من سفح قلعة كركوك صدفة عام 1923 م .

ذكر فيها اسم ( ارابخا ) حرف الاسم الى ( ارافا ) وشاع بين اهالي كركوك باسم ( عرفة ) الذي اصبح عام 1948 م حياً لعمال شركة نفط الشمال.

وقد عثر اثناء الحفر الاسس هذا الحي على مجموعة من الاثار يرجع زمنها الى عهد الحضارة السومرية. وذكرت في المصادر الاشورية بانها مركز لعبادة الالة ( ادد ) . وفي عهد الملك البابلي نبوخذ نصر ( 605-562 ) ق . م

اعيد بناء القلعة حيث دون في مسلة النصر لفتحه مدينة ارابخا ، وبعد سقوط الدولة البابلية توالت على المدينة هجمات الفرس الاخمينيين واصبحت قلعة كركوك ضمن سيطرة الدولة الاخمينية وبعد ان اجتاح اسكندر المقدوني بلاد العراق اصبحت قلعة كركوك ضمن إمبراطورية وكانت المدينة ضمن حصة القائد سلوقس حيث بنى فيها سوراً وتنشأ في قلعتها قصوراً لمملكته فاصبحت المدينة تدعى ( كرخ سلوخ ) وبعد ضمن السلوقيين تمكن الفرثيون الفرس السيطرة على مدينة ( بيت كرماني ) اسم المدينة في عهدهم ثم اصبحت المدينة في قبضة الساسانيين حتى انقراض دولتهم واصبحت ارض بلاد الرافدين وبلاد فارس ضمن الامبراطورية الاسلامية دخلت تحت راية الامبراطورية الاسلامية بعد واقعة القادسية سنة ( 636 )م وكانت تعرف باسم ( كورة باجرمي ) ثم توالت على كركوك الفترات المغولية والجرائرية والصفوية وفي أوائل القرن السادس عشر الميلادي وقعت كركوك في حكم العثمانيين ( 1639-1917 ) م وخلال حكمهم تعرضت كركوك لعدة هجمات فارسية اشدها سنة 1742م حملة طهماسب وقامت قواته بغزو مدينة كركوك وحصار قلعتها واحدثوا ثغرات في سورها فلم يبق امام اهلها الا الاستسلام ثم انسحبوا وتراجعوا عن مواقعهم، وبعد خروج العثمانيين من العراق 1917م وقيام الدولة العراقية 1920م جعلت كركوك مركزاً اداراياً للواء كركوك .

المعالم الاثرية في قلعة كركوك و المدينة.

* الجامع الكبير / يعتبر هذا الجامع من أقدم الجوامع في مدينة القلعة حيث ذكره هرتسفيلد اثناء زيارته لمدينة كركوك وقبل ان بنائه يعود الى بداية القرن الثالث عشر الميلادي وهو عبارة عن بناء مستطيل مساحة ( 1500)م مربع، يتألف من حرم داخلي قوامه عقود واقواس مدببة ترتكز على دعامات مضلعة وفي احد اركانه بقايا منارة مبنية من الطابوق وتمت صيانتها حسب طرازها القديم.

  • جامع النبي دانيال / الجامع فيه اقواس وعقود وفيه قبتين على قاعدة وبجانبها منارة مبنية من الطابوق وعليها اشرطة زخرفية بالطابوق القاشاني والمنارة تاريخها يعود الى اواخر العصر المغولي تبلغ مساحة الجامع ( 400 ) م مربع وفيه قبور وهمية لابناء اليهود ( دانيال – حنين – عزرا – ميشائيل) واكملت الهيئة صيانة الجامع وحسب طرازه القديم الموثق لدى الهيئة العامة للاثار والتراث .
  • القبة الخضراء / شيدت عام ( 762هـ – 1362م ) مساحتها ( 820 )م مربع وارتفاع القبة ( 17 ) م بنفس الشكل واكملت الهيئة الرواق المهدوم فتم اعادة بنائه بنفس المواد والمواصفات الفنية .
  • . سوق القيصرية العباسي / يقع السوق قرب باب الطوب والسور العباسي ، وكان السوق تحت اكوام كبيرة من الانقاض ، تم استظهار ( 34 ) دوكان بينهما رواق مستطيل الشكل والمساحة الكلية للسوق ( 600 )م مربع، تعلو واجهة المحلات عقود صغيرة من المرمر تؤطر ابوابها مبنية بالحجر الاحمر والجص وارضيتها مطلية بالجص وينزل اليها بمدخل بدرجة من المرمر وكذلك الخروج في نهاية بدرجة من المرمر قرب القبة الخضراء. وتم تنظيف السوق من الانقاض وتقوم الهيئة في الوقت الحاضر بصيانة واعادة بنائه على نفس طرازه القديم المتمثلة بعقودها وأقواسها.
  • البيوت التراثية / من هذه البيوت ، بيت المرمر وصديق علاف وعلي آغا وقامت الهيئة منذ عام 1999 ولحد الان بصيانة هذه الدور التراثية وحسب طرازه التراثي القديم وتاريخ هذه البيوت تقدر بـ(100-160) سنة .
  • . استمرار السور الخارجي .. بعد استظهار البوابة وخمسة ابراج في البدن الخارجي لقلعة كركوك وإزاحة الاتربة مقابل جسر ناظم الطبقجلي في الركن الشمالي الغربي استناداً الى التوجهات المركزية لابراز المعالم الحضارية لقلعة كركوك وقامت الهيئة عام 2000 باختيار الركن الشمالي الشرقي وبعد ازاحة الاتربة من هذا الركن استظهرت الهيئة استمرارية السور وتم استظهار برج يعتبر من اكبر الابراج حجماً وعليه ( 10 ) مزاغل والهيئة مستمرة بإعمالها في هذا الاتجاه.
  • قشلة منطقة القلعة / شيدت عام ( 1280هـ – 1863م ) لتكون مقراً للجيش العثماني في كركوك وتقع البناية في مركز المدينة مساحتها اكثر من ( 6 ) دونمات وتقوم دائرة الاثار والتراث ضمن خططها لعام 2000 بصيانة الواجهة الجنوبية وإعادة بناء القسم الشمالي المهدوم منه لتحول القشلة بعد إنجاز الصيانة الى مركز ثقافي في مدينة كركوك من متاحف وقاعات لاستغلالها لأغراض فنية وثقافية والعمل مستمر لإكمال الصيانة .
  • الخانات التراثية / في مدينة كركوك كثير من الابنية التراثية لبيوت تراثية وحمامات وخانات تراثية وتقوم هيئة الاثار والتراث بمفتشية آثار المدينة بصيانة هذه الخانات الواقعة في السوق الكبير الذي يعتبر من الاسواق التراثية في مدينة القلعة، وكان خان من هذه الخانات يتميز بفن معماري يختلف عن غيره قسم بطابق واحد مثل خان رشيد كولة رضا وخان حسن خليفة وخان حاج حميد ، وقسم آخر من الخانات بطابقين مثل خان عبدالقادر وقردار وناصح بك وخان قلعة كركوك وفي المدينة خان آخر يتكون من ثلاث طوابق يسمى بـ( خان طه بك ) الملاصق لسوق القيصرية التراثي في السوق الكبير.

وقامت هيئة الآثار والتراث باشراف قام على صيانة هذه الخانات على نفقة مالكها ومن هذه الخانات التي تمت صيانتها خان حاج حميد وخان الكرونجي وخان رشيد كولة رضا وخان عبدالقادر وخان قلعة كركوك في السوق الكبير.

  • مدينة القلعة .. أحياء لازالت ترقص على نغمات الماضي رغم البنى التحتية المتهالكة ..
  • أي زمن عبق عاشته تلك البيوت في افياء اسوار القلعة الوفية ! رغم نعم الحضارة والتقنية الحديثة، ظل السكان اوفياء في الحفاظ على الطابع المعماري لدورهم التي تفوح منها رائحة التاريخ. فللتاريخ لغة في هذه المنطقة المغتالة . يواجهك أينما توجهت في أحيائها الخمسة، وبواباتها الأربع لم يعد هناك من يبحث في أحيائها عن أغنية لم تكتمل أو قصيدة تنتظر الوميض الأخير لتنطلق من عقالها لتتنفس ويبقى من حقنا السؤال : هل من الحكمة والمنطق القضاء على تاريخ أحياء وبيوت وذكريات أناسها، وخصوصية منطقة بحجة صيانة وحفظ الآثار، وتشريد سكانها في هذا الزمن الصعب ؟! لقد اعتاد التاريخ أن يعيش جنباً مع جنب مع اولئك الناس الطيبين منذ عشرات القرون، وظلوا فخورين بالكنوز التاريخية لمنطقتهم. لكن النظام المقبور اعتاد دائماً أن يخالف المنطق والمألوف، وأعاد الكرة لا من أجل شيء إلا من اجل تغيير الخصوصية التركمانية لمدينة كركوك المدينة العراقية العريقة.

منذ أعوام توقف الزمن في قلعة كركوك. امتدت يد الخراب بحجة حماية الآثار إلى تلك البيوت التي تحمل رائحة التاريخ في أعطافها. واضطر أولئك الناس الطيبون الذين تربوا في أفياء القلعة جيلاً بعد جيل منذ عشرات القرون إلى مغادرتها عنوة تحت سمع وبصر وصمت العالم المتمدن، لتغرق القلعة الطيبة التي اعتادت على حركة سكان أحيائها الخمسة في وحدة قاتلة، وهي التي اعتادت أن تكون آهلة بالبشر منذ قرون سحيقة قبل الميلاد. اغتيلت القلعة والعالم على أبواب ألفية جديدة. حكم بالموت على كركوك بإطلاق نيران الغدر على قلبها النابض ( القلعة ) ولف صمت الموت بيت أولئك الناس الطيبون الذين طالما تغنوا لها، وخلدوها في قصائدهم وأغانيهم الشعبية.

وتعيش مدينة القلعة واقعا خدميا مأساويا حيث تتراكم فيها النفايات في كل احيائها وكذلك ضعف البنى التحتية مثل الكهرباء او استحداث المدارس في هذه الاحياء التراثية ومن الواضح جدا عدم استغلال هذه المدينة العريقة كواجهة سياحية في مدينة كركوك.. خصوصا انها تجمع الكثير من الاقليات المسيحية والكردية بالاضافة الى المكون الرئيسي وهم التركمان .. وهنا تكمن اهمية حي القلعة في كركوك حيث انها تجانس غريب وجميل ورائع بين الاديان خصوصا مع تزاوج الكنائس مع الجوامع في هذه المدينة التأريخية التي تقع في قلب كركوك لو احسن استخدامه كوسيلة جذب للسياحة في هذه المدينة والتي تعتبر ثاني اغنى مدينة بالنفط في العراق .. فهل يا ترى سوف تشهد مدينة القلعة واحياؤها السكنية توجها سياحيا خصوصا ان كركوك عموما منطقة نزاع سياسي مع الاسف ما بين الكرد والتركمان والعرب .. لكن تبقى مدينة القلعة في محافظة كركوك شاهدا تأريخيا على عراقية واصالة التأريخ الرافديني الذي يحاول البعض مسخ هويته على مفارقات الوجع الحالي فيها .

مقالات ذات صله