قرارات السبت السعودي: بن سلمان يقترب من المحطة الأخيرة

وكالات ـ متابعة

رويداً رويداً ينقشع الغبار ويختفي أثر قنابل الدخان التي أشعلها ليل السبت، ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بسلسلة قرارات، هي أقرب للصدمات الكهربائية، تضمّنت عزلاً وتعيينات في أكثر من موقع، شاملة أسماء أمراء من المستوى الأول، ووزراء، كانوا حتى وقت قريب جداً يمثّلون مراكز قوى حقيقية في بنية الدولة السعودية على مدى عقود طويلة.

وعلى الرغم من تأكيد مراقبين أن شبهة الفساد قائمة، وربما تكون بقعة صغيرة في “بحر الفساد”، لكن ما يلفت الانتباه أن الأسئلة التي صاحبت القرارات تركزت بالدرجة الأولى على: لماذا هؤلاء بالتحديد، وفقط؟ ولماذا الآن؟ وما هي المآلات والتوابع التي يمكن أن تنتج عن هذا الزلزال المجتمعي أولاً، ثم السياسي بدرجة تالية؟

في تفصيل الإجابات عن الأسئلة المشروعة، ربما تتكشف جوانب كثيرة لحقيقة ما جرى، وما قد يجري لاحقاً؛ فالأبواب مفتوحة على مصاريعها لكل الاحتمالات. ويبدو أن العنوان العريض للقرارات، كان يحمل في طياته العمل على بسط السيطرة والاستحواذ على ثلاثة مفاصل، هي ركائز أساسية لأي نظام حكم، يتمثل أولها في الشأن العسكري، وقد حدث أن أطاحت القرارات رمزين مهمين فيه، يقودان منظومة الحرس الوطني، والتي نمت وقويت، ودعمت كثيراً بإضافة نوعيات تسليح مهمة لها تشمل الطائرات، في عهد الملك الراحل عبدالله؛ وكذلك القوات البحرية المرشحة لدور أكبر في المرحلة المقبلة؛ ربما يقترب كثيراً من التعامل مع الكيان الإسرائيلي بسبب الاستحواذ من مصر على جزيرتي تيران وصنافير.

المفصل الثاني هو الاقتصاد، ممثلاً في أكبر الشركات الخاصة بالمملكة، وهي مجموعة بن لادن، ومعها شركات الملياردير الوليد بن طلال، ومجموعة شركات أخرى. أما الثالث فهو الإعلام، إذ جرى توقيف المسؤولين عن مجموعتي “إم بي سي”، و”روتانا”، وغيرهما.
يقول مصدر سعودي، إن الثغرات في القرارات ربما تكشف إلى حد كبير أن الدوافع بالأساس سياسية بامتياز، على الرغم مما قد يبدو فيها من تناقض ظاهري، فإن الخيط المشترك فيها هو التخلص من الركنين الأساسيين اللذين يمكن أن يشكلا تهديداً، أو حتى تعطيلاً للقفزة الأخيرة لمحمد بن سلمان، على كرسي العرش. ويوضح أن الركن الأول هو جناح ابن العم، ابن الملك الراحل عبدالله، وهو جناح الأمير متعب بن عبدالله، والذي أخفق والده الراحل في تمرير خطة توليته للعهد؛ وهي الخطة نفسها التي نفذها بامتياز الملك سلمان، ليصعد بابنه ويبقيه على بعد خطوة قصيرة واحدة من حكم المملكة.

هذا الجناح، يشمل بالضرورة ضلعاً أساسياً فيه، هو الرئيس السابق للديوان الملكي، أقوى شخصية سياسية في عهد الملك عبدالله، وهو خالد التويجري، والذي تتواتر الروايات عن أنه كان صاحب خطة الصعود بمتعب إلى سدة الحكم؛ وهي خطة أحبط تنفيذها التراخي، ثم قضت عليها تماماً وفاة الملك الراحل.

ويشمل هذا الجناح أيضاً، بدرجة أقل قرباً، وزير المالية السابق، إبراهيم العساف، والذي يعرف المتابعون للشأن السعودي أنه لم يكن فقط وزيراً مسؤولاً بالدولة، في فترة توليته الوزارة، لكنه أيضاً كان حتى وقت قريب مسؤولاً عن اختيار من يأتي للوزارة ولأجهزتها الحساسة من بعده.

أما الركن الثاني، وفقاً للمصدر، فيتمثل في أبناء الملك فهد، والذين تقول دوائر مقربة من محمد بن سلمان، إنه يرى فيهم الجناح الأخطر على طموحاته؛ يقودهم الابن الأصغر عبدالعزيز، والذي أظهر قدراً من المشاغبات، أزعجت ولي العهد الحالي. فقد كان الأكثر جرأة في استفزاز الأخير، سواء من جهة حديثه السلبي المتكرر عن ولي عهد الإمارات، محمد بن زايد، وهو الذي يمثل الركيزة الأساسية التي استند إليها بن سلمان، في رحلة صعوده السريعة والمفاجئة. ومن جهة أخرى، فقد لقيت تلك “المشاغبات” صدى شعبياً، ربما بدا أشد إزعاجاً لولي العهد؛ فقد أثارت لدى قطاع كبير من النخب، ومن عامة الناس، مشاعر تاريخية معروفة، تتمثل في أن “السعودي” يرى أن حاكمه، ولو لم يكن راضياً عنه، يجب أن يكون قائداً لدول الخليج وليس تابعاً لأحد من قادتها.

في هذا الركن، تبرز رموز كثيرة من الذين شملتهم قرارات الإبعاد والتوقيف، وفي مقدمتهم وليد آل إبراهيم، خال عبد العزيز بن فهد، والمؤسس الأول للذراع الإعلامية الفضائية الأولى؛ مجموعة قنوات “إم بي سي”. وهذا مصدر خطر آخر، خصوصاً أنه انضم لابن شقيقته، في استثارة قطاع عريض من السعوديين، يتمثل في التيار السلفي، إذ كانا يتناوبان على دغدغة المشاعر الدينية، والعزف على الوتر الحساس، بتعليقاتهما.

وعن التناقض في القرارات، يقول المصدر إن الملك سلمان بن عبدالعزيز كان ولياً للعهد حين كان ابن أخيه متعب بن عبدالله رئيساً للحرس الوطني؛ وكان مسؤولاً بحكم عمله أيضاً عن أمراء المناطق، ومنها منطقة الرياض، والتي تم إيقاف أميرها السابق، فهد بن عبدالله، على خلفية فساد في مشروع قطار الرياض الذي لم يكن بعيداً عن رقابة الملك، حين كان ولياً للعهد؛ فهل كان يعلم وسكت، أم لم يكن يعلم من الأساس؟

ويتجلّى التناقض في عدد من النقاط الأخرى، منها مثلاً أن “صفقة اليمامة”، والتي قيل إنه تم إيقاف الأمير تركي بن ناصر بن عبدالعزيز، الرئيس الأسبق لمصلحة الأرصاد وحماية البيئة، على إثرها، تمت حين كان ولي العهد الراحل، الأمير سلطان بن عبدالعزيز وزيراً للدفاع؛ وطوال عقود مضت، ومنذ إثارة وفتح ملفات القضية، في الإعلام البريطاني أولاً، فإن تركي حظي بحماية خاصة، بل تنقل في أكثر من موقع، كانت كلها تقع ضمن مسؤولية والد إحدى زوجاته، الأمير سلطان، والذي لم تشر القرارات الأخيرة إلى أي تقصير أو شبهة فساد بحقه.

وهنا يبرز الجانب الأهم، فمحمد بن سلمان يدرك أن التحقيق في الفساد والرشى، والتي شابت “صفقة اليمامة” يتعلق في جانب كبير منه بالطرف البريطاني، وفتح التحقيق هناك له مسارات وآليات أخرى، لن تكون متاحة، على الأقل في الفترة الحالية لاعتبارات متعددة؛ بما يعني أن المقصود من قراراته ليس المحاسبة على الفساد؛ وهو أمر قد يكون حدث بالفعل، ولكنه في المقام الأول لأسباب تتعلق بالتركيبة العائلية التي تقتضي إبعاد كل المناوئين له، وإدخالهم في مشاكل تشغلهم تماماً عن العمل على تعطيل طموحات ولي العهد في استقرار هادئ ومريح، على كرسي العرش.

في سلسلة التناقضات كذلك، يأتي عزل وزير الاقتصاد عادل فقيه، وتوقيفه على خلفية التحقيق في كارثة السيول التي راح ضحيتها أكثر من مائتي مواطن ومقيم حين كان أميناً لمحافظة جدة؛ فالتحقيقات أجرتها لجنة رسمية، كشفت أن مخططات الأراضي التي جرفت السيول فيها المنازل، ومات فيها العشرات غرقاً، كانت تابعة لوزير الأشغال وقتها، الأمير متعب بن عبد العزيز؛ وهو الآخر لم يأت ذكره تصريحاً، أو تلميحاً، في قرارات ليل السبت.

في الإجابة على السؤال الثاني، لماذا الآن؟ تبرز أسباب عدة، أحدها، أو هي مجتمعة، تُفسر كثيراً من غموض المشهد؛ فهي وكما توضح التناقضات تأتي للقضاء على ما يمكن تسميتها “مراكز القوى”، أو المحطات التي يمكن أن تعطل القفزة الأخيرة في مسيرة محمد بن سلمان، نحو الاستقرار الرسمي، والشكلي، على كرسي الحكم؛ ذلك أنه بات معروفاً، وفقاً للمتابعين للشأن السياسي السعودي، بل ولعامة الناس، أنه يمسك فعلياً بزمام الأمور، ويسيطر على مفاصل الدولة في أكثر من اتجاه، بصورة تجعل منه الملك غير المتوج، حتى اللحظة، للبلاد.

وتأتي هذه القرارات الآن أيضاً لأن سلسلة الإخفاقات المتتالية في الاقتصاد السعودي، والتي تشير إليها تقارير دولية، ويشهد عليها واقع الحال، بسبب القرارات المتهورة لولي العهد، وفقاً لوكالة “بلومبيرغ”، تقتضي منه إجراء ما، أقرب للبروباغندا الإعلامية، يشغل بها الداخل والخارج عن التداعيات السلبية، والنتائج الخطرة لقراراته الاقتصادية، والفشل المبكر لخطة 2030، والتي كان يتصور أنها ستكون شهادة اعتماد محلية ودولية، ومبرر جدارة بكرسي الحكم.

سبب ثالث لحصول هذه التوقيفات الآن أن بن سلمان ما زال يتمتع بحماية معنوية من وجود والده الملك سلمان على كرسي العرش؛ وهي فرصة ليحصد الثمار الإيجابية لأي قرار يتخذه، ويتخلص من أي تأثير سلبي لنفس القرارات مستقبلاً، بذريعة أنه لم يكن الحاكم الأول للبلاد؛ بالإضافة إلى أن الوالد يمكن أن يساعد في امتصاص الغضب المتوقع للقرارات في صفوف آل سعود؛ وهي آثار وقعت بالفعل، ومرشحة للتصاعد.

ويبقى السؤال الأهم، ما النتائج المتوقعة لهذا الزلزال السياسي، وهل يتحملها محمد بن سلمان؟
ربما جاء الرد الاقتصادي سريعاً، في حالة أقرب إلى الارتباك والتوجس، والذي يدفع شركاء دوليين وشركات عالمية لإعادة حساباتها الخاصة بالعمل والاستثمار في المملكة. وهذه النتيجة على وجه التحديد، تمثّل التحدي الأكبر لولي العهد الحالي، ذلك أن انعكاساتها الداخلية أيضاً مؤثرة على المواطن السعودي البسيط، المشغول دائماً بالهم الاقتصادي، أكثر من انشغاله بالجانب السياسي، وأكثر حتى من استمتاع شريحة لا بأس بها بمتابعة الخلافات بين الأشقاء وأبناء العمومة في العائلة الحاكمة.

مقالات ذات صله