قراءة في كتاب_ “وادي قنديل”

بعد خمسة عشر عاماً، تعود “ثريا لوكاس” إلى سورية لتتعرف إلى البلد التي ولدت فيها، وهي التي كانت في الخامسة من عمرها حين قرر والداها الهرب من الحرب الدائرة هناك، لكن غرق المركب الذي يقلهم حال دون تحقيق حلمهم بالوصول إلى أوروبا، فلم تنجُ من العائلة سوى الطفلة الصغيرة التي تتبناها امرأة يونانية وتعتني بها حتى تكبر.

إذاً، تأخذنا الكاتبة “نسرين أكرم خوري” في روايتها “وادي قنديل” إلى المستقبل، وتحديداً إلى عام 2029 لتقصّ علينا من هناك قصص الحرب التي تدور اليوم وتطحن كل شيء، ولتحدّثنا عن مصائر البشر الذين عاشوا هذه الحرب وتعايشوا معها، وتنقل لنا بعين الغريبة التي ابتعدت زمانياً ومكانياً “شكل الجحيم الذي دفع بأهلي إلى رمي أنفسهم في الماء”.

سنكون في “وادي قنديل” أمام زمنين مختلفين، وروايتين تتداخلان وتتقاطعان وتتشابكان لتنتجا في النهاية سرديتين أكيدتين، الأولى هي حكاية “ثريا” وعودتها إلى بلدها وكل ما تكتشفه فيها، والثانية هي حكاية “غيم حداد”، فالرحلة التي كان هدفها التعرّف إلى الجذور ستقود العائدة إلى وادي قنديل، وهناك ستعطيها مقيمةٌ في المكان مذكرات كتبتها “غيم حداد”، وبفضل هذه المذكرات ستقرأ “ثريا” حكايات العديد من السوريين، الذين دوّنت “غيم” حكاياتهم في الحرب ووثقتها، فكتبت عن بلاد صارت “بعيدة ومجهولة” للساكنين فيها، وعن علاقات جعلتها الحرب أكثر تعقيداً، وعن يأسٍ سيطر على الأفراد فدفعهم إلى خياراتٍ ما كان لهم أن يختاروها في ظروفٍ أخرى، وعن إحساس بالعزلة وبأنك منسيّ، و”أن كل شيء سيستمر وأنت غير موجود”.

تبدأ رواية “وادي قنديل” من النهاية، من زيارة “ثريا لوكاس” للمقبرة في عام 2034، لتودّع الرجل الذي أحبته “أنس رحيم”، ثم تعود بنا الكاتبة إلى ما قبل ذلك الزمان بخمس سنوات، لتروي عن عودة “ثريا” إلى بلدها الأم، وقراءتها لمخطوط “غيم” وبحثها عن شخصياته، فتعثر منهم على “أنس”، وتقع في غرامه، رغم معرفتها بالعشق الذي يربطه بـ”غيم”. هل أحبته لأنه يمثّل لها “الوطن” الذي لم تعرفه، أو العائلة التي حُرمت منها؟ هل لأنها أحبت ما كتبته “غيم” في أوراقها عنه؟ هل لأنه يكمّل لها “الحقبة الناقصة” من الماضي؟ أم لأنه يشترك معها – دون أن تعرف بذلك حين أحبته – في أكثر الأشياء إيلاماً وقسوة، فهو “الناجي الوحيد” من المجموعة، كما كانت هي الناجية الوحيدة من قاربٍ غرق كل ركابه؟

مقالات ذات صله