قراءة في كتاب_ “كان غداً”

في روايته الرابعة “كان غداً” يحاول الروائي اللبناني “هلال شومان” رسم صورة لبيروت الموشكة على الانفجار. تقترب منه إلى درجات مخيفة مراراً ولكنها لا تصل إليه، فتظل محتفظةً بنظام “السلم” الذي تعيش فيه، رغم فشله.

هكذا، يتحوّل كل شيء في الواقع إلى صورة متضخمة عنه في الرواية، وتصبح الأجواء الكابوسية هي المسيطرة: حوادث موت فجائي وغريب تتزامن مع ظهور عربات غاز في بعض الأحياء، موت قطط بأعداد كبيرة دون أسباب، غزو الحشرات لبيوت المدينة بشكل مبالغ فيه، حالات انتحار متزايدة، تلوث في مياه الشرب، ظهور حيوانات مفترسة في الشوارع، انفلاتات أمنية وانفجارات عديدة، حوادث سير غريبة، وموت أطفال رضّع في المشافي… إننا أمام مدينة تنهار تدريجياً، شبح الحرب يخيّم عليها ويقضّ مضجعها.

يلعب “شومان” على السخرية من كل شيء، السخرية في تضخيم الأحداث المأساوية حتى لتبدو كأنها أشبه بكاريكاتور، واللعب عليها بتصوير حدث كابوسيّ ما والإيهام بأنه نتج عن سبب معيّن، ثم الكشف عن سبب حقيقي مختلف كلياً.

تنبش الرواية في عمق العلاقات الإنسانية وتعقيداتها، وبالأخص الشخصيات التي تعيش علاقات مرتبكة، فـ”خالد” الذي ما زال عالقاً في تلك المنطقة التي تلي الفراق، يبحث عن أسباب لما حدث مع “سهى”، لماذا وصلا إلى النهاية وتطلقا؟ ولكنه لا يعثر على أجوبة يقينية.

وفي غمرة أحاسيسه تلك، يلتقي بـ”ريم” الباحثة أصلاً عن خلاصٍ من علاقتها بمدير عملها الذي يمارس الجنس العنيف معها.

على الطرف الآخر، تبوح “سهى” لصديقهما المشترك “روجيه” بأسباب الطلاق: إجهاضين متتالين، ثم لقاءٌ بوالده وسماعها حكايته، كل ذلك جعلها تدرك أنها غير مناسبة له.

سرّع في اتخاذها القرار حملها من شاب آخر التقته في إحدى رحلاتها إلى لندن، “قلت سأنتظر، لأن جسمي سيجهض الطفل كما في الحملين السابقين. جسمي لم يفعل! ويوماً بعد يوم، تأكدت. جسمي لا يقتل الأطفال. جسمي يقتل أطفاله فقط”.

تنجح الرواية في رسم بيروت بكل العنف والكابوسية اللذان يجتاحانها، بكل الضجيج الذي ينهش أرواح ساكنيها، وبكل العطب الذي يطالهم.

مقالات ذات صله