قراءة في كتاب_ “قصيل”

أجمل ما في الرواية بشكل عام، إنها بمعنى ما فلسفة، و أجمل ما في الفلسفة، أنها منبع الدهشة،
وأجمل ما في الدهشة، أنها المحفّز الحقيقي الإبداع !و لذا، فالرواية السوية، ليس لها إلا أن تطرح الأسئلة بالأساس، الأسئلة التي تقود إلى الدهشة، الأسئلة الاجتماعية أو السياسية أو الوجودية، وليس بالضرورة أو ليس من صميم تكوينها ( كعمل إبداعي ) أن تعطي إجابات! وهذا ما حاولت أن تفعله فيما أرى رواية “قصيل” للكاتبة الليبية عائشة إبراهيم.

رواية قصيل، هذه الرواية الجميلة، اللغة تحمل نصيباً جيداً من التجاوز للصياغات المتداولة، والأسلوب يصارع نفسه بين ترك الشخصيات الروائية تعبر عن نفسها بتلقائية بحكم تكوينها، وبين تدخلات الكاتب وفرض آرائه وتصوراته عليها أحيانا.
و مع ذلك، ففي أكثر من موقف فإن التوتر الفني، أي تصاعد الحدث، وصل إلى ذرا عالية، وهذا ما أثارني أكثر من أي شيء آخر في هذه الرواية !

هذا التوتر الخلاق ، تصاعد بالتدريج و بهدوء و تمهّل، ووصل أعلى مستوياته في آخر صفحات الرواية ، حتى بلغ مدى فجّر كل الالتباسات التي يثيرها عادة أي عمل فني خلاّق، ونثر أسئلته الوجودية، بعد أن طرح كافة أسئلته الاجتماعية والسياسية وحتى الاقتصادية، وأعطى الفرصة في نهاية المطاف لالتقاط الأنفاس بعد جهد لا شك فيه، للانصهار في محراب الفن والإبداع، محراب الرواية !
رواية قصيل، قدمت جمالياتها من خلال سرد بديع، يحتفي بالمكان من خلال موجوداته !حدثتنا عن (قصيل) ولحظات من حياته، متوترة أو مبهجة أو كئيبة. وما يتصارع في ذاكرته من أفكار مقتنع بها من الأساس، أو فرضت عليه بحكم الظرف الاجتماعي المتجذّر، وأعطتنا الكثير عن الواقع الاجتماعي ومكوناته الثقافية العفية والصادمة .
الرواية أزاحت الحوار جانبا، وجعلته يتوارى عن المشهد، ونادراً ما يظهر على السطح، وكأنه تعبير عن الصمت الاجتماعي القامع، الذي يأبى أن ينزاح عن كاهل الحياة اليومية. واستعاضت عنه بالسرد والمنولوج كبراح آخر من خلاله تستمر الحياة رغم قسوتها وإحباطاتها .

هذه الرواية ، هل تقول لنا أن من تخلّى أو فقد تاريخه، حتما سيضيع؟!
أم أنها تشير لك بحدة و قناعة، وتقول (أنت تاريخك)؟!

مقالات ذات صله