قراءة في كتاب_ “باندا”

ينتحر “عاصم التل” في مكتبه في ليلة شتائية ماطرة، برصاصة مسدس اشتراه للدفاع عن نفسه، مورّثاُ ابنه “عمران” مسودات كتب فيها أفكاره حول جائزة نوبل للسلام، وست رسائل بخط الممثلة “فاتن حمامة”.

يقتنع “عمران” بنظرية والده، وفي مرحلة ما من عمره يقرر أن الوقت قد حان ليثبت صحة هذه النظرية، فيسعى لتحقيق ذلك مدفوعاً بجنونه.

هذا هو المحور الذي تدور حوله أحداث رواية “الباندا” للكاتب السوري “راهيم حساوي”، وأثناء دورانها ذاك تنسج شبكة من العلاقات القائمة بين شخصيات عابثة، متناحرة ومضطربة.

تناقش الرواية مجموعة من الأفكار المرتبطة بجائزة نوبل للسلام، على شكل نظرية قدمها الوالد المنتحر في الأوراق التي تركها، فهو يرى أن الجائزة تُقدّم لفعل كانت نتائجه واضحة قبل فعله، وهي تُقدّم لشخص واحد يكون مشهوراً بأفعاله الإنسانية قبل حصوله عليها، متجاهلة آلاف الأشخاص الذين يقومون بأفعال إنسانية كثيرة لكنهم يفعلونها في الظل دون إشهارها بالأضواء الفاسدة.

كما يعتبر أن الجائزة غالباً تقدم لأشخاص لديهم كل الوسائل والإمكانيات لفعل أشياء إنسانية، ولديهم المنابر للإعلان عنها والتعريف فيها، والبعض يقوم بهذه الأعمال كجزء من واجباته في المنصب الذي يشغله.

فأي اثنين أحقّ بالجائزة: شخص قام بأفعال إنسانية لأنها جزء من واجباته في المنصب الذي يشغله، أم شخص آخر قام بهذه الأفعال دون أن تكون من واجباته؟

يختار “عمران” لتحقيق هدفه امرأة سيئة السمعة، غير محبوبة من قبل محيطها، وتتصرف بطريقة خسيسة ووضيعة مع الناس.

يطلب من صديقة لديها مشغل خياطة أن ترشح له امرأة من العاملات لديها تمتلك هذه المواصفات، فتعرّفه على “فريدة الأسعد”.

هكذا، يبدأ “عمران” بصناعة وجه آخر لها، ينشئ جمعية خيرية لمساعدة الناس والأطفال الأيتام، ويسلّم إدارتها لفريدة، يضع كل إمكانياته في سبيل نجاح هذه الجمعية وفي سبيل بروز اسم مديرتها كامرأة تتحدى الصعاب وتضحي بحياتها وشبابها من أجل زوجها المقعد، ومن أجل الجمعية التي نذرت حياتها لها.

يشعر عمران أنه صار قريباً من تحقيق هدفه، سيثبت للناس جميعهم أن تلك المرأة التي أخذت الجائزة لديها ماضٍ ملوث، وأن الجائزة كلها يجب أن تلغى.

عمران وحده بجنونه وهستيريّته يدرك هذه الحقيقة فـ”كل شيء واضح، مثل بياض وسواد وحجم دب الباندا المهدد بالانقراض”، ولهذا فإنه يتخذ أكثر القرارات جنوناً وغرابة مطلقاً عبارته الأثيرة “فقد صدقوني بهذه” للمرة الأخيرة ربما!

مقالات ذات صله