قراءة في كتاب_”نافلة الخراب”

بغداد_ متابعة

منذ الصفحات الأولى يقدم سعدون البيضاني شخصيات روايته “نافلة الخراب” في إطار تاريخي معرفا بها الواحدة تلو الأخرى على أساس شدّ انتباه القاريء تحت عنوان “مدخل” الى ما يلي من احداث . ولكن ما أن ينتهي المدخل حتى يسحب البيضاني القارىء الى عوالم جديد يختلط فيها الواقعي بالمتخيل وتتداخل فيها الأزمان بشكل مكثف فتصبح اللحظة الراهنة تاريخا يروى على لسان شخصيات توفيت منذ زمن بعيد، وهنا يصبح السؤال من هو الراوي ومن المستمع؟

الراوي الأساسي جليل الذي تنثال عليه الأفكار والصور والخيالات لتستعرض التاريخ السري لمدينة المجر الكبير، وكأنها تحكي عن تاريخ العراق، فما مرّ على هذه المدينة الجنوبية الصغيرة هو نفسه ما مرّ على المدن العراقية الأخرى التي تقاذفتها الحروب لعقود عدة لتحيلها الى ركام من البشر الذين يأنون تحت وطأة العوز والحاجة، وليس بالضرورة أن يكون ذلك ماديا، وانما فقر روحي وعوز معنوي، ما يدفعهم الى محاولة اشباع رغباتهم حتى وان أدّى ذلك الى تجاوز خطوط المحرمات سواء بالواقع ام بالتلفيق.

وأجاد البيضاني باستعراض الوقائع السرية للمجتمع الصغير الذي يكاد لا يخفي خافية عن أحد من أفراده “فكل أهالي المجر الكبير يعرف أحدهم الآخر سواء بالاسم أو الوجه، وكلّ غريب يدخل المدينة يشار له” (ص97)، فيتداول الجلاس الأحاديث ويتناقلون الحكايات عن هذا وتلك في مجالسهم دون أن يعوا أنهم يؤرخون الأحداث غير المدونة للمدينة وناسها الذين لا يعيرهم المؤرخون انتباها لأنهم غير معروفين ولا يشكلون أهمية الا لذويهم ومجتمع المدينة.

ورغم تعدد الشخصيات التي يتناوبون في سرد الأحداث وهم من الموتى الذين عاشوا في المدينة في أزمان مختلفه (الحاج هاني ابو صلال، والشيخ شعلان بن طاه، وعبد عون) الا ان عملية السرد جميعها تتجمع في شخصية واحدة هي جليل حيث يمكننا أن نحدد ان للنص راويا واحدا يوزع الادوار على الشخوص ويضع على لسانهم ما يريد ان يقوله هو بشأن الحياة الاجتماعية.

إن البيضاني لم يستخدم الحدث التاريخي كما هو ليروي الأحداث بمتوالية سردية، بل يمكننا القول إنه اقرب الى استخدام ما يسميه عبدالله إبراهيم “التخيل التاريخي” والذي يعرفه في كتابه الذي يحمل الاسم نفسه، بأنه المادة التاريخية المتشكلة بواسطة السرد، وقد انقطعت عن وظيفتها التوثيقية، والوصفية وأصبحت تؤدي وظيفة جمالية ورمزية، ذلك بأن التخيل التاريخي لا يحيل على حقائق الماضي ولا يقررها، ولا يروج لها، إنما يستوحيها بوصفها ركائز مفسرة لأحداثه.

لذلك كثيرا ما تتداخل الأحداث التاريخية في رواية البيضاني برؤى معاصرة لا يمكن للشخصيات التي ماتت منذ أعوام عديدة التعرف عليها لأنها لم تعشها أصلا، بل ان الشخصية الرئيسية هي وحدها من عاشها وعاصر أحداثها وكون رؤية واضحة عنها لاسيما ما يخص الهجرة من الريف ومناطق الاهوار الى المدينة الصغيرة وانتقال العادات والتقاليد التي تتميز بها العشائر في تلك المناطق الى أهالي المدينة.

“لا أعرف حتى الان فيما اذا كنت أنا أحلم أم ميتا أم حيا، ولنفرض أنا ميت وعدت أسرد شيئا من ذكرياتي على غرار الحاج هاني والشيخ شعلان وزمرتهم فآن الأوان لي أن أروي ما تحمله ذاكرتي من خراب” (ص97).

وفي هذا الجانب يشير الناقد فاضل ثامر في كتابه “التاريخي والسردي في الرواية العربية” الى ما أورده ريكور من أن كثيرا من الاشكاليات الناجمة عن العلاقة بين الزمنيات المتعددة لا يمكن حلها من دون مساهمة السرد القصصي في هذا الجدال، ويشير الى ان القصص بفضل الحرية الكبرى التي تتمتع بها الأحداث التي وقعت فعليا في الماضي تعرض فيما يخص الزمنية امكانات غير مسموح بها للمؤرخ.

لذلك فإن نهاية الرواية – الصادرة عن دار ميزوبوتاميا 2016 – تأتي في سرد يتضمن صور الحاضر الذي يشهده البلد ما بعد 2003 والنزاعات الطائفية والفئوية والعرقية، والتدخل الدولي والاقليمي في الشؤون الداخلية للبلد والتي تجاوزت السياسي وصولا لغاية التأثير على بنية النسيج الاجتماعي بادعاءات وأشكال مختلفة جعلت من انثيال صور الحياة الاجتماعية البسيطة في الماضي تفرض نفسها على الأفراد الذين يستذكرونها في الوقت الذي يعيد التاريخ المأساوي تشكيل نفسه بشكل كوميدي، وهو ما يرمز اليه البيضاني عندما يختطفه هاني ابن الحاج صلال ولعيبي بن شعلان الطاهر وعزيز عبد عون، أي أبناء الشخصيات التي تروي أحداث الرواية والتي ماتت منذ زمن، وتظهر بشكل مخالف لحقيقتها، ويتعامل معها الناس على أنها شخصيات تستحق التقدير والاحترام رغم معرفتهم بالحقيقة التي يتداولونها بينهم بسرية دون التجرؤ على البوح بها علنا.

“دائما أقول مع نفسي لو لم يكن في حياتنا شيء اسمه الكذب كيف نتخلص من المواقف المحرجة والمخزية لا بل كيف نلمع صورنا المطلية بغبار الخديعة” (ص29).

لقد استطاع سعدون البيضاني بناء نص روائي جميل يتداخل به اليومي بالتاريخي بأسلوب شيق استخدم فيه المفردة الشعبية، وأحيانا المفردة المحلية البحته بشكل يجعل للنص متعته لاسيما وأنه يتحدث عن مجتمع محلي له خصائصه التي يتفرد بها عن بقية مدن ومناطق العراق، والجميل في الأمر أن تلك الخصوصية لم تمنع الكاتب من إضفاء طابع يجعله اقرب الى الحديث عن أي مدينة أو قرية في العراق.

لقد استطاع الروائي سعدون البيضاني بناء نص روائي بأسلوب يجعلنا مع ترادف السرد أمام رواية تنتمي الى الواقعية السحرية فعلا. واقعية سحرية بنكهة عراقية وطعم جنوبي عماري يحمل من الاسرار والحكايات والغرائبية الكثير ممن لم يتناوله الرواة سابقا كون أغلبهم منجذبين للتوثيق السردي الواقعي التاريخي.

مقالات ذات صله