قراءة في كتاب_”حصن التراب”

أول ما يلفت القارئ في رواية أحمد عبد اللطيف الأخيرة “حصن التراب” هو اللغة… إيقاع اللغة.
التكرار في الكلمات، الجمل القصيرة التامة، الحساسية للّغة ولمفرداتها، ما جعل من هذا النص بهياً، عذباً، منساباً، كترنيمة، رغم ما يحتويه من قسوةٍ في أحداثه وموضوعه، إذ تتبع رواية “حصن التراب” مأساة الموريسكيين، وهم أحفاد المسلمين الذين تمّ تخييرهم بين التخلي عن دينهم أو التهجير من موطنهم، بعد سقوط الدولة الإسلامية واستلام التاج الكاثوليكي للحكم في إسبانيا. ورغم أن بعضهم اختار تغيير دينه مقابل ألا يغادر أرضه فإنه لم ينجُ من التشكيك بولائه، فخضع لمحاكم التفتيش، ولم يسلم من أحكام الإعدام.
يلعب الكاتب لعبته الفنية في قصّ حكاية الناس العاديين الذين أهملتهم كتب التاريخ من خلال تتبّعه لعائلة “دي مولينا” الموريسكية، متخيّلاً وجود مخطوطات سرية تحوي تاريخ العائلة، يتم تناقلها من جيلٍ إلى جيل، وكل فردٍ في هذه السلالة عليه أن يتابع تدوين مخطوطات جديدة عن حياته ثم توريثها مع ما سبقها إلى ابنه أو ابنته البكر.
يختار “عبد اللطيف” من هذه المخطوطات التي تمتد لأكثر من قرنين ونصف، أجزاءً. تروي فيما ترويه حكاية الانتماء. حكاية الهوية. حكاية أشخاصٍ طردوا من موطنهم الذين عاشوا فيه لشكوكٍ فيهم بأنهم لم يتركوا دينهم الأصلي، وبأنهم يمارسون طقوس هذا الدين سراً، وفي الأرض التي هُجّروا إليها تمت معاملتهم كغرباء أيضاً، فنبذوا لأنهم حسبوا على الطرف الآخر المطرودين منه. وظلّ سؤال الهوية والانتماء سؤالاً ملحّاً يعذبهم.
في “حصن التراب” نحن لسنا أمام حكاية تسير بتصاعد يصل البداية بالنهاية، بل نحن إزاء حكايةٍ كبيرة تمّ تفتيتها إلى حكايات صغيرة متفرقة، كل واحدةٍ منها كتبها فردٌ من سلالة “دي مولينا”، لكن هناك خيطاً خفياً يجمع تبعثرها ويشدّ أواصرها. فما نقرأه بصوت واحدٍ منهم، نسمع صداه في حكاية الآخر، وما بين الصوت والصدى تتشابك الأحداث، تختلط الأحلام بالحقائق، وتمتزج الغرائبية بالوقائع، وتنطلق أسئلة الوجود مفجّرةً نفسها من داخل السرد، تلك الأسئلة التي يمكن لنا أن نطرحها ذاتها على أنفسنا اليوم، وكأن التاريخ الذي يفصلنا عنها لم يمضِ. “من يستطيع الآن أن يحدد أي دماء تجري في عروقنا؟”، “ما الذنب الذي اقترفه الموريسكيون؟”، “بين القهر في أرضك والقهر في أرض غريبة، أيهما تختار؟”، “هل الدين جزء من الهوية؟”، “لماذا تريدني أن أشبهك لتقبلني؟”.

مقالات ذات صله