قراءة في كتاب_”حز القيد”

“وأصبحت قحطين وطناً بعد أن كانت أرضاً يباباً، وتوزعت إلى مدن وحواضر على السواحل، وبلدات وقرى في الدواخل، وانقسم سكانها إلى قلة تملك كل شيء، وكثرة تملك لا شيء!”. هكذا يعرّفنا “محمد عيد العريمي” بالمكان المتخيّل الذي ستجري أحداث روايته فيه، مشيراً إلى ذلك التفاوت الطبقي، الذي ربما تتميز به معظم بلداننا العربية، بعد وصول أنظمة مستبدة، جعلت الثروات تجتمع في أيدي فئة قليلة، وتركت غالبية الشعب يعيش على خط الفقر أو تحته، ليلمّح إلى أن أي بلدٍ عربي يمكن أن يكون “قحطين” المذكورة في الرواية.

حبكة الرواية تدور حول شاب يدعى “علي الناصر”، يحضر إحدى الندوات الثقافية، فيعجب بكلام “سعد ثابت بن مرة” الجريء، والذي يطرح قضايا لم يتشجع أحد على طرحها سابقاً، مثل الديمقراطية، حرية التعبير، ضرورة مشاركة الشعب في الحياة السياسية، وغيرها من القضايا التي تدعو إلى التغيير. ويكون إعجابه بالمحاضر وكلامه دافعاً له ليتقرب إليه، رغبة منه في اكتساب بعض من ثقافته.

تترافق الندوات التي يقيمها “سعد” مع انتشار شعارات ورسائل تحريضية، تذكّر المواطنين بحريتهم المنقوصة وحقوقهم المسلوبة، ومدى تقصير الحكومة في واجباتها تجاه الشعب، فتتحرّك قوات الأمن لتعتقل كل شخص تشتبه فيه. يشير الكاتب إلى القمع والخوف اللذين يحياهما المواطن في ظل نظام أمني بوليسي، وكيف يخشى حتى من الكلام همساً، متخيّلاً أن “للجدران آذاناً”. وكيف يحوّل هذا النظام الإنسان إلى كائن هش، يخاف من أي شيء، ويجعله ينفي أي علاقة بينه وبين المعتقلين، خشية أن يتورط ويُعتقل هو الآخر.

كما يصوّر “العريمي” القلق الداخلي الذي ينهش الفرد بعد أن يُستدعى إلى التحقيق، وكيف يرسم احتمالات لهذا التحقيق، ويبدأ بالتفكير في كل سؤال قد يوجه إليه، وكيف يمكنه أن يجيب عنه، وما يتبع ذلك من سوء الحالة النفسية للمطلوب، حتى قبل أن يذهب. فبعد حملة اعتقالات واسعة، يصل الدور إلى “علي”، فيستدعى إلى التحقيق لأنه شوهد مرات عدة مع “سعد”، المتهم مع آخرين بتشكيل “تنظيم سري مناهض للنظام، ويسعون إلى تغييره بقوة السلاح”، على حسب زعم قوات الأمن.

هكذا بعد جولة سريعة من التحقيقات، يقاد “علي” إلى سجن “مراغة البعير الأجرب”، فلا أحد يصدّق أن ما يربطه بـ”سعد” مجرد معرفة عابرة، بل يعتبرونه متورطاً معه، وهناك يقاسي الويلات، ويتعرض لمختلف أنواع التعذيب والإهانات.

مقالات ذات صله