قراءة في كتاب_”الخيمة البيضاء”

تقتفي “ليانة بدر” في روايتها “الخيمة البيضاء”  أثر ما يقارب ثلاثين عاماً من التحولات السياسية والاجتماعية في فلسطين، من خلال وقائع أربع وعشرين ساعة تبدأ في دوار وسط المدينة، وتنتهي عند حاجز للاحتلال الاسرائيلي.
تبدأ الرواية مع شخصية “نشيد” وهي في الدوار، وتنتهي معها أيضاً وهي على حاجز “قلندية” ذاهبة إلى القدس لتنفيذ خطة رسمتها مع صديقاتها الناشطات النسويات، خطة تقضي بتهريب “هاجر” الشابة التي عقدت قرانها على شاب تحبه دون موافقة عشيرتها، وعائلتها، وهذا ما يعدّ عصياناً لا يغفره إلا القتل، تحت ما يسمى بجرائم الشرف.
تقسم الكاتبة روايتها إلى ثلاثة فصول، وكل فصل إلى عدد من المقاطع السردية، تتناوب عليها عدة شخصيات، تنحصر بشكل أساسي في عائلتي “نشيد”، و”عاصي” الثوري القديم، والذي كان فدائياً في لبنان، ثم خرج منه ولفَّ في بلدان عدة كي يظل في محور العمل النضالي، واختزل كل حياته في الدفاع عن القضية، وحين عاد بعد سنوات طويلة إلى بلاده صُدم بموقف المعارف والأهل الذين شككوا في نية القادمين إليهم. وإنَّ شخصية زوجته “لميس”، رغم حضورها الضئيل، هي من أجمل الشخصيات في الرواية، فهي تعبّر عن انتمائها اللاواعي إلى المكان ورفضها فصلها عنه بطريقة خاصة، إذ إنها صارت تسافر يومياً من رام الله إلى بيت أمها في القدس، محتملة معاناة الوقوف على الحاجز ومشقة الذهاب والإياب، لتكرّس حقها في المدينة التي حضنت طفولتها ويفاعتها.
تسلط الرواية الضوء على معاناة الفلسطينيين اليوم داخل مدن فلسطين، وهي معاناة مزدوجة فمن جهة يعانون من قهر داخلي متمثل في علاقات بعضهم مع بعض، وفي العادات والتقاليد البالية التي ما زال البعض يؤمن بها ويدافع عنها، ومن جهة أخرى يعانون قهراً خارجياً هو الاحتلال، إذ إنهم يضطرون للتعامل اليومي مع جيشه ومؤسساته، ويضطرون لعبور حاجز يفصل بين شطري بلدهم، لزيارة الشطر الثاني، وقد لا يسمح لهم أصلاً بهذه الزيارة. ولعل في المشهد الأخير من الرواية، تتلخص كل تلك المعاناة بوجهيها، حيث يجتمع على حاجز “قلندية” كل من “نشيد” وابنها “خالد” و”عاصي”، في فصلٍ تجري فيه مونولوغات تختصر المأساة كلها.

مقالات ذات صله