قراءة في كتاب_”ألهو بوريقاتي”

يرسم الشاعر جوزف دعبول في مجموعته الشعرية الجديدة “ألهو بوريقاتي” عالما موازيا، يهرع إليه هربا من عالم الخراب الذي يحيا فيه، وكأنه في قصائده يمارس عادة الحلم بعيدا من عيون مدينةٍ غارقة في الوحل.

يقحمنا الشاعر في متاهة قلقة ندخلها متوجسين من تفتت الصور الشعرية التي تبدو كالشظايا التي لا يجمع بينها سوى عالم الشعر، متاهة مربكة لا نكاد نستشف منها صورة إلا وتباغتنا أخرى، وكأن الشاعر يركب عوالم جديدة أمامنا غير تلك المرتبة كما عهدناها.

وليس القلق حالة طارئة في قصيدة دعبول وإنما جزء ثابت من شخصيته وشخصية المكان الذي ينتمي إليه، فمرّة يستكين لقلقه ويُغذّيه ليصنع به قصائده، ومرّة يهرب منه إلى غيمةٍ تأخذ أشكالاً نرسمها بمخيلتنا.

هكذا نراه في عبورٍ دائم، شاعرا ثائرا على حافة الرحيل «أرفض الحماقات الرؤيوية/ انتظار الشمس/ وصفارة القطار/ وأودّع أشخاصي/ أوضب المرايا في أكياس سود/ سأعود في الصباح/ وأشتري نوارس البحر/ أسماكه/ والشمس”. قصيدة جوزف دعبول هي مثله أيضاً تائهة بين الكشف والتمويه، بين القول واللاقول، بين الوعي واللاوعي. إنّها لغة ثائرة يتحرّر فيها الشاعر من كلّ القواعد والأنماط والأساليب التي طوّقت الشعر ومنهجته. هكذا تأتي صوره متدفقة، جامحة، ينقلها بلغة خام، قد تراها جميلة في انفعالها حيناً، وشديدة في انفلاتها أحيانا.

ومع ذلك، يظلّ الشاعر في هذا الديوان أكثر «انضباطاً» مما كان في ديوانيه السابقين «الأخبل» و «البحر وردة الرؤيا»، بل إنّ التجربة الشعرية نفسها بدت أكثر اختماراً وهدوءاً.

تنكسر حدود اليقين والرؤيا في هذا الديوان ويرتدي الخيالُ ثوب الكلمات، فيعود إلى الماضي، خلف التاريخ، ويختارُ من الميثولوجيا أبطالها ليواجه بهم أبطال هذا العالم الممزّق؛ «غيرتُ جلدي مرّات أمام الشمس/ دخلتُ إلى أكفان الفراعنة/ ليعبقَ الهرم الكونيّ بالبخور السلس/ نوّمتُ على حريرٍ/ ونظرتُ إلى الجماجمِ المضيئة/ الضفادعُ تتقافز داخل المرايا/ وهرمسُ صولجانُ الرؤيا إلى أفعى حسناء…».

“ألهو بوريقاتي” ديوان صدر حديثا عن دار ألف ليلة، يضمّ مئة وثماني وعشرين قصيدة لا تفصلها عناوين داخلية، فكأنها متّصلة في جوّها، وإن تداخلت بعض القصائد مع نصوص نثرية تحمل روح القصائد نفسها.

 

مقالات ذات صله