قراءة في كتاب_”أخيلة الظل”

نحن أمام رواية تحتفي بالخيال إذاً، وتحتفي بالتجريب أيضاً، فـ”تخيّلوا معي”، “لنفترض”، “لنختر”، “كي نفهم”، “لننسَ مؤقتاً”… كلها عبارات تخاطب بها الكاتبة القارئ بينما النص يتابع نموّه في مخيّلة نتشاركها معه وفيه.

نقرأ عن مجموعة شخصيات تتشارك لعبة ظلال كتابية، فـ”كاميليا” التي يبدأ السرد معها هي كاتبة مصرية أتت إلى براغ في زيارة لمهرجان أدبي، وهناك أمام متحف كافكا التقت بـ “آدم” الكاتب الأمريكي، تبادلا بضعة أحاديث، باحا لبعضهما بأسرار عميقة يسهل البوح معها أمام غرباء قد لا نلتقيهم مرة ثانية، وأخبرته عن حلمها بكتابة قصة تراها وتشترك في أحداثها في الوقت نفسه.

اللعب والتجريب سيكملان حين ينتقل السرد إلى “أولغا” الكاتبة الروسية نفسها، لنفاجأ بأنها تكتب قصة عن كاتب وكاتبة يلتقيان في براغ، ما هما إلا “كاميليا” و”آدم”، وبين هذه التخيّلات التي ندخل في متاهاتها، يقودنا سؤال “من يكتب من؟” لننغمس مع الشخصيات التي تروي أحاسيسها وتروي بأحاسيسها لحظات الفقد التي عاشتها وتعيشها.

إننا أمام مجموعة من الشخصيات التي تعاني من الفقد بأشكال مختلفة، كما أنها تشترك في أن لها جميعها علاقة مباشرة بالفن، تركّز الرواية على لحظة يصبح فيها فنهم هذا موضع قلق وفزع أو سؤال بالنسبة إليهم، فبعضهم فقد قدرته على إنتاجه وبعضهم الآخر فقد إيمانه بجدواه وماهيته.

وما بين هذه المخاوف التي يعيشونها الآن: زمن الكتابة، وما عاشوه في مواضيهم: الزمن المتذكَّر، تناقش الرواية علاقة الفن بالواقع وعلاقة الظل بالأصل، لترسل ضوءاً مهتزاً يشكّل ظله أخيلةً وتخيّلات مراوغة، تحكي عن أثر مرور الزمن وعبء هذا المرور، وعن شعور أليمٍ بالفقد نحاول ترميمه بالفن، وعن متاهاتٍ للعب تقودنا وراء الفردوس، فردوس الخيال الذي لا ينضب بل ينبع كشلالٍ متفجّر، هو وحده من يسمح باختراع صلة بين شخصيات لا علاقة بينها، ويضيف لعبة جديدة لألعاب كاميليا الذهنية اللانهائية: “اختراع صلة بين أشياء لا صلة ظاهرة بينها”.

ورغم أن الرواية تنحاز بلا مواربة للخيال، فإنها تبني صلاتٍ مع ما نعيشه اليوم في العالم العربي من ثورات وعنف ومجازر وحروب، يبدو هذا جلياً في قصتين يكتبهما كل من “آدم” و”كاميليا” ويتضمنهما السرد.

مقالات ذات صله