قراءة في كتاب _ “منيرة من النزهة”

رواية «منيرة من النزهة» وأدها الرقيب بهدوء، لكاتب لا يتطرق إليه عادة ضمن من يمسهم المنع وفي وقت مبكر كان فيه التذمر من التعسف الرقابي أمراً شبه معدوم، وسبقها «وأد» رواية أخرى للمؤلف نفسه بعنوان «الغيمة التاسعة» الصادرة عام 2013، لتستفحل بعدها «حمى الرقابة» المستمرة حتى اليوم.

“منيرة من النزهة” هي الرواية الرابعة للكاتب غزير الإنتاج محمود شاكر، وصادرة عن «نوفابلس» للنشر والتوزيع 2014 (طبعة أولى)، ويتناول فيها الكاتب الحياة المضطربة لشخصيتها الرئيسة: منيرة، بروفيسورة في قسم الأحياء بجامعة الكويت، وزوجة لرجل مسيحي من أصل لبناني، مولعة بقصائد الشاعر الكويتي فهد العسكر وبأغاني المطرب الأميركي جوني كاش التي صارت بالنسبة إليها «دعوة للبكاء»، امرأة باردة ومدخنة «تختزل تشتت المرء في الزمن الحاضر»، كما جاء في تقديم فيصل الحبيني (الذي للمفارقة أصدر كتاباً منعته الرقابة في العام نفسه).

من الفصول الأولى للرواية، يبدو سرد منيرة فاقداً المصداقية، يتنقل بين صيغتي متكلم وغائب، كسرد «أوسكار» غونتر غراس في «طبل الصفيح»، الذي يبدأ حكايته بإخبارنا أنه نزيل مصحة عقلية، ليضع كل ما يأتي من بعد في موضع الشك، تخبرنا منيرة ضمنيا، بأنها تعاني كوابيس مستمرة وإدراكا مشوشا، وأنها حين تدير أغنيات جوني كاش في مشغل القرص المدمج بسيارتها فإنها، في الوقت ذاته، لا تكون تستمع له إلا عبر الإذاعة المحلية التي تبث وصلة من أعماله.

تبدأ منيرة رحلة علاج دوائي لا يخفف من أعراض المرض إلا مؤقتا، حالتها تسوء وكوابيسها تزداد سوادا، وهي ترى نفسها تنتحر في دورة المياه، حتى تصبح نزيلة مستشفى الطب النفسي، حيث تثير حالتها فضول اختصاصية مبتدئة ومتحمسة في المستشفى: الدكتورة حنان، التي تنجح أخيرا في تشخيص المرض ومساعدة منيرة في محاولتها التماثل للشفاء.

عبر تسليط الضوء على معاناة الشخصية الرئيسة، يقدم شاكر «رواية نفسية» يركز فيها على اضطراب منيرة العقلي وتلاشي شعورها بالواقع، عذاباتها والتباسها الأخلاقي، وعلاقاتها الحقيقية والمتخيلة بمحيطها وذكرياتها وبزوجها البائس. ولعل هذا أكثر ما يثير الاهتمام بالعمل: وصف الأعراض الفعلية لعصاب معيّن من منظور المصاب نفسه من هلوسات بصرية وإدراكية واضطراب النوم ونوبات الصداع واختلال الزمن ورهاب وغيرها.

تعتمد «منيرة من النزهة» على أربع شخصيات أساسية تحرك الحدث: الزوج، والشاب سالم الذي يعاود الظهور عند كرسي حديقة العديلية، وطبيبتها د. حنان، وأختها الصغرى الشاعرة نجلاء، ولكنها كرواية نفسية في المقام الأول، فعمودها الفقري هو مونولوج منيرة الداخلي، وذكرياتها التي – برغم تشوشها – ترتبط بالأماكن برابطة حميمة كمنتزه الخيران ودوار قصر دسمان، و»الأميري» ومطافي الهلالي في شرق وفندق الشيراتون.

تتناول الرواية، من دون تعمق، وفي أجواء من الإثارة والغموض قضايا المرأة، والزواج من ديانة أخرى، وسجن النساء وذلك بوضعها في بوتقة درامية تتمحور حول موضوعها الرئيس: المرض العقلي. يتوغل السرد في خوالج منيرة المريضة ليُري القارئ بعينيها تداخل الحقيقة بالوهم، تشوه المكان، اضطراب الزمن واختلال إدراكه، حتى يبدو الواقع فانتازياً يشبه عالم «أليس» العجيب، حيث تأخذ الأشكال والمسافات فيه أبعاداً لا معقولة، و»أليس» هنا هي المفتاح الذي تعثر عليه د. حنان أخيراً.

تشير الرواية في أكثر من موضع إلى الانهيار العصبي الذي تعرضت له المطربة الأميركية برتني سبيرز في 2007، وإلى عالم أوز في رواية «ساحر أوز العجيب» الذي يشبه إلى حدٍّ ما العالم الذي تدخله «أليس» عبر جحر الأرنب، الكائن الأليف الحاضر أيضاً بعدة لمحات في رواية شاكر، منها مشهد تدعوها فيه زميلتها بهيئة التدريس إلى إلقاء نظرة على قفص أرانب تستخدم للتشريح في قسم الأحياء.

مثل منيرة، كان عالم الرياضيات الإنكليزي لويس كارول الذي أصدر روايته الشهيرة «أليس في بلاد العجائب» في القرن التاسع عشر يعاني نوبات صداع مزمنة، وعلى الأرجح وفقاً للموسوعة الحرة، من عصاب يشوش إدراكه البصري للأحجام والمسافات، حيث استلهم حكاية أليس من معاناته العصابية الشخصية. وثمت من الباحثين أيضاً من ربط هذا النوع من العصاب، والذي عرف لاحقاً في حقل علم النفس بمتلازمة أليس، بأهالي جزيرة الأقزام الذين وصفهم جوناثان سويفت في روايته المعروفة: رحلات جوليفر.

وإذا كانت الشخصيات الغريبة التي تلتقي بهم «أليس» لا وجود لها إلا في حلمها، فما الحقيقي إذن وما المتخيل في سرد منيرة؟ لعل العالم الذي تشيده منيرة في المجمل هو عالم خيالي مثل عالم أليس، مسرحه عقلها، فالساعة فيه لا تغادر الثامنة غالباً، وثمة ما يرجح أن الأحداث التي تصفها في الجامعة والسجن تجري حقيقة في كواليس مستشفى لم تغادرها.

طبيبتها د. حنان، مثلاً، تظهر بشخصيتين مختلفتين إحداهما زميلتها في العمل، وفي أحد مشاهد سجن النساء تصف منيرة «غرفة شديدة البياض»، حيث تُحقن بإبرة مخدرة وتناديها «آمرة العنبر» باسم «أليس».

تحاول منيرة طوال الحكاية العودة إلى منزل العائلة في النزهة، وإلى ذاتها قبل كل شيء، وتلتقي في رحلة العودة المنشودة بشخصيات لا وجود لها إلا في عالمها الداخلي.

دون التطرق لهفوات اللغة في الرواية، يؤخذ على لغة السرد الفنية إقحام تشبيهات تاريخية وسياسية دولية بمشاهد لا توائم الحدث والسياق. لكن «منيرة في النزهة»، برغم فجاجتها المحدودة والنسبية في المشاهد والمفردات فإنها عمل فريد جدا على مستوى الموضوع، وأصالة فكرتها سبب كاف لجعلها ليست جديرة بالاطلاع فحسب، بل وبالاحتفاء أيضا، عوضاً عن تجاهل مؤلفها، ومنعها الذي واجهه شاكر بتنقيح طبعتها الثانية امتثالا لتوجيهات وزارة الإعلام، في سابقة ربما خطيرة إذا مهدت لظاهرة تنقيح الكتب المنشورة وفق ما يطلبه الرقيب.

وفي كل الأحوال، فإن قلم الأديب أبقى من مقص الرقيب الذي سيمضي، ليبقى السؤال: هل خرجت منيرة فعلا من بلاد العجائب أم لاتزال عالقة في متاهة جحر الأرنب، تروي حكايتها على سرير المصحة، تماماً مثل «أوسكار» غراس؟

لا إجابة شافية في مشهد النهاية، ولا يسدل ستار الرواية بنقطة على السطر، إنما بتعليق علامة استفهام في حوارها الأخير عند كرسي الحديقة. تسأل منيرة «لِما لَمْ تزرني كل هذه السنين يا سالم؟ اشتقت إليك» ويجيب الشاب الذي صار رجلا، دون أن يغلق الحكاية بقدر ما يبقي بابها مفتوحا على تأويلات مشرعة على مصراعيها: «وبعد؟».

يشار إلى أن محمود شاكر محمود، روائي كويتي نال درجة البكالوريوس متخصصاً بالإعلام من جامعة الكويت، صدر له: «شمة في مهمة» (2010)، «أنا أموت» (2012)، «الغيمة التاسعة» (2013)، وله رواية مرتقبة بعنوان: الحُفرة.

مقالات ذات صله