في رثاء وجيه عباس الذي قتله الناس!||وجيه عباس

(2)

قالوا إنك اغمضت عينيك عن الدنيا، ربما لم تعجبك خضرتها، ولم يعجب هذا القلق البشري أن يدخل ضمن جوقة الطبالين في الزفة، ربما ساءك أن ترى القريب والبعيد يقطّع قلبك وأنت تبارك له هذا الفتح المبين!، ربما رأيت وجها يذكّرك بالله، فأحببت أن تسارع الى لقائه، وربما خوفك من يومك هو الذي أسرع لك اليه، أعلم انك أغمضت عينيك، لكنني أعلم أنها كذبة كبرى عليَّ تصديقها!!.. وإلا كيف لي أن اصدّق أن هذا العالم المليء بالقطط سيخلو من عينيك صديقي، كيف يمكن لهذي الارض الواسعة أن تبخل عليك بعدة خطوات تركض فيها او تتفلسف في الوقت الضائع، كيف لهذا الماء أن يقتلك بالظمأ، كيف لهذه الايدي ان تكف عن ترقيص الاصابع فوق خدود الكيبورد، لقد هجرنا اقلامنا ومحابرنا، ولم نعد نتسلى الا بالفقدان، وطن ليس فيه عيناك وطن اعمى يقوده الغياب الى حيث أنت الآن!. ويا حزني عليك، يا لقلبي عليك، كيف يمكن لهذا التراب أن يخفي عطر وجودك؟ كيف يمكن لهذه الليالي ان تمنحك إجازة زمنية وانت الذي لم تتعرف يوما على اجازة استيراد أو تصدير، كيف يمكن لتلك الضحكات ان تختفي، ولتلك العيون التي كانت تسع الجنون كله أن تستكين الى الصمت مثل مسكين. يداك تأخذني الى الموت، أتذكر انك كنت تقول لي أنك تخاف الموت، هذا يعني انك حي، الاحياء يموتون، والموتى يُحشرون، وبين هذه وتلك غربة، ومنفى بين روحك وجسدك، كنت تقول اني اخاف ان اعبر قنطرة الموت وحيدا، وكنت اتمنى لو انا ذهبنا معا لنعبر، يقينا ان الذين قالوا ان المنطقة الوسطى بين الجنة والنار موجودة، لكني أتيقن ان الله سوف يعذبنا مرتين، في الحياة والموت، ويحيينا مرتين، في المحبة والنشور، اي فلسفة يمكن ان تثيرها الكلمات وانت هناك.. وحيدا وحولك قلب لوّن الحياة بالكلمات، هل تعرف اي إرث تترك خلفك وانت تسير الى التراب؟ اسأل الكلمات التي ما زالت تتراقص فوق الاوراق وانت تعطّرها بالحضور. حتى الان لم أتحمل كذبة أن تموت وتذهب كما تُولد وردة وتموت، او كما يقولون: وطن!! ولا تجد سوى غربة ومنفى ورحيل ونسيان، هل نعيش لنموت ام نموت لنموت؟ لم يخبرني احد أنك ستغلق هاتين العينين وتطفئ عالما كان يرى بعينيك ويتنفس برئتيك، كانت يداك تحمل جرة الكلمات لعطاشى لم ترهم من قبل، وكنت تطعم حتى الصائمين في افطارهم، كنت معهم وكنت فيهم، وها هم الان غرباء من عينيك ويديك وصدى حسراتك، فقط دموعك التي ما زالت تبلل هذه الدفاتر القديمة، كانت هناك وردة يابسة دفنتها بين دفّتي كتاب، او خصلة شعر وضعتها فوق حجاب للروح كي تتلمس اصابعي معنى انك معي ولم تسافر بعيدا مثل اي عاقل يهوى جنونه، ايهذا المسافر البعيد، ايها السيد: هل وجدت في التراب معنى جديدا لكنك لا تكشف سره. أعلم أن أعداءك كثر، لم يسلموا منك، ولم تسلم منهم، سكت صوتك الآن فليس لك من الضجيج سوى هذه الحروف التي ستبقى بعد موتك، كنت تكره السياسة كما تكره الدعارة، صدق من قال ان السياسة نجاسة، كنت تنتقد السارقين والقتلة، لهذا عليك أن تتوقع أنهم سوف يسرقون ايامك ويتركونك مخضّبا بدمك العلوي الذي سوف يوقفهم أمام الله، الكثير يتصور انهم بقتلك اياك سوف يسكتون صوتك بموتك ولا يعلمون انك سوف تولد جديد بموتك، مع كل هذا اقول البقاء في حياتك يا صديقي وجيه عباس.

مقالات ذات صله