في جنوب العراق .. شجرة ادم .. تجذب اتباع الديانات المختلفة للتبرك بها

الجورنال – متابعة

توجّهت قافلة من أهالي مدينة بابل إلى البصرة (جنوب) قاطعة مسافة نحو 400 كلم لزيارة شجرة آدم المقدّسة والتبرّك بها والصلاة عندها، وهو أمر اعتبره رجل الدين عبد الحسين الهاشميّ “واجباً دينيّاً، فضلاً عن كونه اطّلاعاً على معلم تاريخيّ ارتبط برموز دينيّة، وإرثاً اجتماعيّاً يتناقله الأبناء عن الأباء، ويحرصون على إدامته“.

وبين أعضاء القافلة، المرأة المسنّة أمّ عبّاس (70 سنة)، فهي تقصد الشجرة الكائنة في قضاء القرنة (85 كلم شمال البصرة)، وهو المكان الذي يلتقي فيه نهرا دجلة والفرات، وقالت : “زيارتي للشجرة تمنحني البركة والمغفرة، كما أقصد المكان للصحّة والرزق“.

وعلى شاكلة هذه القافلة، يتوجّه الآلاف من العراقيّين سنويّاً إلى المنطقة التي كانت في السابق عبارة عن شجرة في أرض قاحلة. أمّا اليوم فأحيطت بسياج حديديّ وزرعت الأشجار حولها، وتحوّلت إلى متنزّه.

وفي دلالة على انتعاش الحركة السياحيّة والآثاريّة، زار الشجرة في 16 آذار من عام 2018 وفد أجنبيّ سياحيّ ضمّ مواطنين من مختلف دول العالم، منها: فرنسا وبريطانيا وألمانيا وأميركا.

وقبل ذلك، زار المغامر والعالم النرويجيّ ثور هايردال المكان وأبحر منه إلى جيبوتي قبل 40 عاماً بقارب صنعه بوسائل بدائيّة من بردى الأهوار ليثبت للعالم نظريّته عن التواصل عبر البحار بين الحضارات القديمة.

وضع المشرفون على المكان لوحة كبيرة كتب عليها باللغتين العربيّة والإنكليزيّة ما يلي : “في هذه البقعة المباركة حيث يلتقي دجلة بالفرات، تشرّفت بزيارة سيّدنا إبراهيم الخليل (عليه السلام) سنة 2000 ق.م قام وصلّى بها وقال ستنبت هنا شجرة كشجرة آدم عليه السلام في جنّة عدن“.

وفي مقطع فيديو تظهر أمّ محمّد التي لفتت إلى أنّها “تزور المكان لطلب تحقيق الأمنيات من الشجرة المقدّسة”، مشيرة إلى أنّ “زيارتها للمكان تمنحها راحة نفسيّة وسعادة روحيّة مثل أيّ زيارة للمراقد المقدّسة في البلاد“.

أمّا أبو علي، الذي يعمل على خدمة المكان، فقال : “إنّ الشجرة مباركة، ويحرص الزوّار على الصلاة وقراءة القرآن إلى جوارها. ولقد أثبتت التجارب أنّ الطاقة المنبعثة منها تتسبّب في العلاج من الأمراض النفسيّة وحلّ المشاكل الاجتماعيّة“.

وعن قطع القماش المتعدّدة الألوان المعلّقة عشوائيّاً على أغصان الشجرة، قال أبو علي: “الناس يقذفون بها عن بعد لشكر لله على تحقّق أمنياتهم وشفاء أمراضهم“.

كما أنّ الاقتراب من الشجرة يتيح للعين مشاهدة العشرات من الحروف والأسماء التي حفرتها سكاكين الزوّار، تخليداً لزيارتهم لها وطلباً للبركة.

من جهته، أشار أستاذ التاريخ الحديث في جامعة الموصل الدكتور إبراهيم خليل العلاّف إلى أنّ “العمر الحقيقيّ للشجرة لم يحدّد علميّاً بالضبط، لكنّه يعود إلى مئات السنين”، وقال: “شجرة آدم يقدّسها العراقيّون ويزورها الرحّالة والسيّاح، وقد نشروا عنها في كتبهم وأدبيّاتهم“.

وعزا هذا التعلّق بالشجرة إلى الجانب الروحيّ، إذ قال: “تبدو الشجرة اليابسة فاقدة للحياة. ومع ذلك، بقيت منتصبة وشامخة، رغم عوادي الزمن، وهي تعطي الأمل للإنسان في الحياة والاستمراريّة وتواصل الأجيال“.

وأضاف: “الإنسان يشعر بالراحة النفسيّة والإطمئنان عندما يربط نفسه ببعض المقدّسات ويجد فيها ملاذاً آمناً يساعده في تجنّب ما يواجهه في حياته. ولهذا، تمنح الشجرة زائرها الصبر والتفاؤل“.

ولا تقتصر زيارة الشجرة على المسلمين فقط، إذ يزورها المسيحيّون أيضاً، ويروون عندها قصصاً تاريخيّة ويقولون أدعية دينيّة، وفق المسيحيّ فوزي بهنام، الذي قال :  “حسب المتداول بين أبناء الطائفة المسيحيّة، فإنّ هذا المكان في القرنة، حيث يلتقي النهران، قد تمّ ذكره في العهد القديم من الكتاب المقدّس“.

أمّا رجل الدين المسلم عبد الحسين الخفاجي فعزا تقديس المسلمين لها إلى “ارتباطها بعقيدتهم، إذ تشير روايات إلى أنّ النبيّ إبراهيم الذي يؤمن به المسلمون والمسيحيّون والصابئة، هو الذي زرع الشجرة في هذا المكان الذي يلتقي عنده النهران اللذان ميّزا بلاد الرافدين“.

وفي خطوة لتحويل المكان إلى مرفق للسياحة الدينيّة، أهّلت وزارة الموارد المائيّة في عام 2017 موقع التقاء نهريّ دجلة والفرات قرب شجرة آدم، والذي كان مغلقاً ومخرّباً.

وفي حين أفاد مصدر بمقرّ وزارة السياحة والآثار إلى “عدم وجود خطط قريبة لتأهيل المكان والاستفادة منه كمشروع سياحيّ”، فإنّ وزارة الموارد المائيّة كانت قد بادرت في سنة 2005 إلى إنشاء متنزّه سياحيّ في موقع الشجرة، كلفته الإجماليّة 600 مليون دينار عراقيّ تضمّن التشجير وإنشاء مرسى للزوارق على نهر دجلة.

بدوره، رأى خبير الآثار جنيد عامر حميد أنّ مثل “هذه المشاريع السياحيّة يجب أن تكون خارج المعلم الأثريّ، الذي يجب أن يبقى على وضعه الأصليّ من دون إحداث تغييرات في البيئة المحيطة به، لأنّ ذلك يفقده قيمته التاريخيّة“.

الآمال العريضة التي أبداها رئيس المجلس البلديّ في قضاء القرنة محمّد المالكي تجسّدت في “تطوير المتنزّه الذي يحيط بالشجرة، وتحويله إلى مرفق مناسب للسياحة الدينيّة التي يمكن أن تدرّ أرباحاً على ميزانيّة القضاء، فضلاً عن كون المشروع يوفّر للعراقيّين مجالاً جديداً للاستراحة والنزهة، إضافة إلى كونه علاجاً للكثير من الحالات النفسيّة والمشاكل الاجتماعيّة التي يعتقد الناس بأنّ حلولها تكمن في التبرّك بالشجرة“.

ويذكر إنّ متابعة المعطيات المتعلّقة بتاريخ الشجرة وحقيقتها لا تقدّم المعلومات الدقيقة عن تاريخها، الأمر الذي يتطلّب من الجهات الأكاديميّة والبحثيّة في مجاليّ التاريخ والتراث دراسة الشجرة والقصص التاريخيّة حولها لإطلاع الجمهور على حقيقتها وعمرها، لا سيّما أنّها بدت يابسة غابت عنها الحياة منذ فترة طويلة.

مقالات ذات صله