في بيروت حديث عن سد الموصل||عبدالزهرة زكي

غادرت الفندق مبكراً فوصلت إلى مطار الحريري قبل موعد طائرة الخطوط الجوية العراقية إلى بغداد بأربع ساعات.

لم يحضر بعد موظفو المطار والخطوط، ولم يكن من المسافرين العراقيين سواي ورجل في أواخر الستينيات كان قد وصل المطار قبلي.

كان وحده على صفٍّ طويل من مقاعد انتظار ما زالت شاغرة، وعلى مقعد جنبه كان معطفه الصوف ومظلة مطرية. وغير بعيد عنه جلست منتظراً قبل أن أنهض لأتناول من طاولة قريبة بطاقة معلومات يتوجب املاؤها وتسليمها لسلطات المطار قبل المغادرة. قلت أشغل بعض الفراغ بملء البطاقة، وحين لاحظت أن الرجل ظل يراقب باهتمام حركتي باتجاه الطاولة عرضت عليه أن أجيئه ببطاقة، شكرني ونهض ليتقدم نحو الطاولة فجئته بالبطاقة، وكانت مدخلاً يحتاجه كلانا لللتعارف والحديث.

لم نتعارف لكنّا بدأنا بالحديث عما رأيناه مبالغة أبداها اللبنانيون خلال الأيام الثلاث الماضية في تحسّبهم من عاصفة ثلجية جرى التركيز عليها بوسائل الاعلام. معطفه المرمي إلى جنبه ومظلته المطرية وندرة المسافرين في ذلك الصباح كانت هي مفاتيحنا للحديث عن العاصفة وتحسبات اللبنانيين.

سألني، وكان منشغلاً بملء استمارة ممعلوماته، ألا ترى أن المبالغة بالتحسب خير من ضرر الإهمال إذا ما وقعت كارثة؟

خمّنت أنه يشير إلى مشكلة سد الموصل بمثل هذا التساؤل. الأخبار المتضاربة عن السد كانت تعبيراً عن تضارب المواقف ليس من هذه المشكلة وحدها وإنما من عموم ما يحصل في العراق. كل حالة وكل حدث هو مناسبة يجري استثمارها لتعميق تضارب المواقف ومن ثم لزيادة فرص غنائم السياسة وفسادها. أجبته: لا المبالغة مطلوبة ولا التماهل والإهمال.

لكن حياتنا السياسية وكل ظلالها الأخرى هي توتر دائم بين المبالغة والإهمال.

لم يصبر جليسي طويلاً فدخل في موضوع السد مباشرة، حين عاد ليسألني: ألا تجد أن اللبنانيين لم يتضرروا بالتحسب المبالغ لكنهم تفادوا ضرر التماهل والإهمال؟

واقعا كنت أرى أن قياسات المسطرة الثابتة لا تنفع بمثل هذه الحالات. في الحياة المعاصرة هناك أهمية استثنائية للمعلومات وكيفية التصرف في ضوئها.

للمبالغة ضررها غير المرئي أحيانا كثيرة بينما للاهمال ضرره الفادح المرئي معظم الأحيان. ولتفادي الضررين ينبغي التصرف بمسؤولية في ضوء المعلومات الدقيقة.

عرفت أن الرجل الذي معي هو عميد ركن متقاعد، وكان آمر لواء في الجيش السابق، وبهذا أدركت مبرر ميله للتحسب المبالغ، هذا هو منطق العسكرية والحرب؛ لا بد من الأخذ بأسوأ الاحتمالات للظفر بأحسن النتائج.

في حرب الثمانينيات انتقلت مرة وحدتنا العسكرية إلى مواضع خلفية لاعادة التنظيم. بنيت ملاجيء قتالية متواضعة بتحصيناتها حيث كنا خارج مدى المدفعية. لكن قائدا كبيراً زار المكان واستجن بناء الملاجئ فأمر بزياة التحصين، ولم يفكر بإثارة قلق الجنود حين قال: ماذا لو كان المكان يوماً تحت مرمى المدفعية؟

مقالات ذات صله