غلاف الكتاب ستارة أنيقة تحجب أكثر مما تظهر

بغداد_ متابعة

في استطلاع حول أهمية الغلاف في صناعة الكتب ، انطلق السؤال جوهري هو هل أصبح تصميم أغلفة الكتب يتطلب تناسبه مع المحتوى، ولو افترضنا وجود هذا التناسب فهنا مسؤولية كبيرة تقع على المصمم ألا وهي قراءة محتوى الكتاب. وطالما أن الغلاف يوصف بأنه عتبة نصية للكتاب، فلم تعد العملية النقدية تناقش المحتوى فقط بل تتجاوزه إلى الغلاف الذي تطور من لوحة تشكيلية إلى كولاج. ما يحيلنا إلى أن نتساءل أيضا هل أصبح الغلاف حكاية؟ وهل يهتم الكاتب اليوم بتصميم الغلاف؟ وهل يكره أحيانا كتابه بسبب الغلاف؟ هل فكر يوما في أن يعيد طباعة كتابه من أجل إعادة التصميم؟

تقول مصممة أغلفة الكتب روان الشريف إنها تعشق عملها جداً، وتضيف “حينما أنتهي من غلاف كتاب أشعر وكأن طفلا من أطفالي انطلق للنور. يعتبر الغلاف بوابة لمحتوى الكتاب، وهناك قراء يجذبهم الغلاف لاقتناء الكتاب. تعاملت مع كُتاب مختلفين من دول عديدة، آراؤهم وأذواقهم مختلفة ومع ذلك أواجه صعوبات جلية خصوصا مع الكُتاب الذين لهم العديد من الأعمال ولديهم قراء كثر. أغلب الكُتاب وليس جميعهم، يصبح لديهم الغلاف كالهوس، وكأن قيمة العمل تتجلى بالغلاف، يرسلون تعديلات كثيرة وتفاصيل كثيرة وأحيانا نعود إلى نقطة الصفر بعد عمل أيام على التعديلات، وفي النهاية يختارون الغلاف الأول من دون تعديلاتهم. وهناك كتاب رائعون في تعاملهم يتركون لي حرية التصميم والاختيار. وأنا قبل تصميم أي غلاف أقرأ كل محتوى الكتاب”.

ويشير دكتور التنمية والعلاقات الدولية العراقي أكرم هواس إلى أن غلاف أي كتاب هو هويته التي تخلق لدى القارئ فكرة أولية عن رسالة الكتاب وربما أهدافه وما يتوخاه الكاتب. ولهذا فإن شكل الغلاف وعنوان الكتاب هما من الرموز والإيحاءات البصرية والتعبيرية عن ماهية المفاهيم والأفكار المطروحة فيه. وعليه فإن هذه الأشكال والتعبيرات برمزيتها ورسالتها المفاهيمية هي التي تدخل القارئ في عالم الحيرة وتتحدى قدرته وتخلق الفضول لديه والدافع لسبر أغواره ومعرفة ما يقدمه من رؤى وإجابات لتلك الحيرة الأبدية.

ويتابع هواس “غلاف الكتاب يمثل إعلانا تجاريا ويقدم مشروعا فكريا اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا ثقافيا. ولذلك يجب أن يعتمد هندسة صناعية ويستخدم رموزا فلكية وعمقا فضائيا وواقعا ملموسا يدعو القارئ إلى الدخول في رحلة التعرف إلى الأشياء والغوص في عوالم الفضاءات المعرفية”.

ويشدد هواس على أن كل عناصر هذه الشبكة المعقدة من العلاقات والرموز والأهداف تدعو المؤلف إلى إعادة صياغة مشاريعه المستقبلية لإصدار كتاب جديد وقد يظهر غلاف أحد الكتب وكأنه قد خذل كاتبه. وشخصيا يعتقد هواس أن مشروع غلاف كتاب كأي مشروع آخر يمثل تقاطعا زمنيا مع متغيرات كثيرة ومنها اعتبارات السوق والترويج وكذلك التوافق الفكري بين الكاتب والناشر في لحظة بناء وتصميم الغلاف شكلا وألوانا وعنوانا. لذلك فلا شيء يندم عليه بل يمكن تطوير الأفكار في إصدارات قادمة.

تبدأ الشاعرة والكاتبة نسرين أكرم خوري حديثها باقتباس للروائي أورهان باموق “إذا استطاع روائي أن ينهي كتابًا دون أن يحلم بغلافه، فهو حكيم، والعمل مصقول جيدا، وناضج مكتمل التكوين. لكنّه أيضًا قد يفقد البراءة التي تجعل منه روائيًّا في المقام الأول”. وتقول “بما أنني لم أنضج بعد، أستطيع أن أعترف بأنّ غلاف الكتاب بالنسبة إليّ ليس أمرا شديد الأهمية فحسب، بل أحلم به بشدّة، واضعة داخل رأسي اسكتشات عديدة له، رغم أنني مدركة بأنّ تلك هي مهمّة شخص آخر، سيصير معنيًّا بهذا الغلاف الذي أحلم به”.

وتتابع خوري “لا أنظر إلى الغلاف كعتبة للنص بل كستارة أنيقة تشف ولا تشف، تحجب أكثر مما تظهر بكثير، تجعلك راغبًا في أن تحدّق فيها مليا، وراغبًا أكثر في اكتشاف العالم المختفي خلفها. أفكّر في ذلك القارئ الذي لا يعرفني، أتخيّله وهو يسحب الكتاب من رفّ المكتبة، يقلّبه بين يديه، يتأمّل اللوحة، الألوان، توزيع الكلمات، شكل الخط، ويقرأ النص الخلفيّ. كلّ ذلك يرسم للكتاب طريقين: حقيبة القارئ أوالعودة إلى رفّ المكتبة. مع أنّ الأمر في حقيقته تسويقي بشكل ما وليس حميميا إلى هذا الحدّ، إلا أنني أعتبر ذلك القارئ -الذي لا أعرفه ولا يعرفني- صار خلال ذلك الوقت القصير معنيا بغلاف الكتاب، مثلي، ومثل المصمم، الفرق فقط أنني والمصمم خرجنا من النص إلى الغلاف، أما هو فقد سلك الطريق المعاكس”.

وتتابع “صدر لي كتابان وفي التجربتين لم أندم على الغلاف، بل على العكس، أنا أكثر من راضية، في المرتين جاء الغلاف بمثابة انطباع بصري بديع لحلمي به. الفضل والامتنان طبعا للفنانين المبدعَين أمل زياد كعوش في مجموعة ‘بجرة حرب واحدة‘، وخالد سليمان الناصري في رواية ‘وادي قنديل‘”.

مقالات ذات صله