“غادة السمان” .. نجمة ساطعة في سماء الأدب العربي التي لم تركب موجة غطرسة الكتابة لنفسها !

بغداد_ متابعة

هي “غادة أحمد السمان”، كاتبة وشاعرة سورية.. ولدت في دمشق، ماتت والدتها وهي صغيرة ، والدها الدكتور “أحمد السمان”، حاصل على الدكتوراه من “السوربون” في الاقتصاد السياسي، وكان رئيساً للجامعة السورية، ووزيراً للتعليم في سوريا لبعض الوقت.. كان والدها يدعمها وساهم في تعريفها على الأدب العالمي والتراث العربي.

سعت “غادة السمان” إلى الاستقلال المادي، حيث كانت تعمل أمينة مكتبة أثناء دراستها اللغة الإنكليزية في المدرسة الثانوية بدمشق، وخلال فترة دراسة الجامعة عملت معلمة في مدرسة، ثم كاتبة في مجلة (الأسبوع العربي)، ثم (الحدث)، وبعض المجلات.

في 1963 حصلت على الليسانس في الأدب الإنكليزي من الجامعة السورية في دمشق، ثم الماجستير في مسرح اللامعقول من الجامعة الأميركية في بيروت، وعملت “غادة السمان” في الصحافة.

خلال عام 1966 سجنت “غادة السمان”، لثلاث أشهر بتهمة معادة السُلطات، ثم غادرت سوريا بدون تصريح من الدولة.. وقد عاشت في العديد من الدول العربية والأوروبية، وعملت كمراسلة صحافية وعاشت وقت طويل في “بيروت”، ثم عاشت في “باريس” منذ أواسط الثمانينيات.

كتبت “غادة السمان” حوالي 31 كتاب.. ترجمت معظم أعمالها لعشرة لغات، وكانت واحدة من الكاتبات النسويات اللواتي ظهرن في تلك الفترة، مثل: “كوليت خوري” و”ليلى بعلبكي”، لكن اختلفت عنهم في أنها خرجت من إطار مشاكل المرأة والحركات النسوية إلى آفاق أرحب اجتماعياً وإنسانياً.. في بداية 1960 نشرت عدد من المجموعات القصصية: (عيناك قدرى), (زمن الحب الآخر)، (البحر يُحاكم سمكة)، وأثناء 1965 أصدرت (لا بحر في بيروت)، وفي 1966 (ليل الغرباء).

صدر لها عام 1975 روايتها الشهيرة (بيروت 75)، والتى فازت بجائزة “فولبرايت”، حيث صورت فيها بيروت مدينة للجنون والموت. ثم رواية (كوابيس بيروت) عام 1976، وقد كان الحكي فيها على درجة كبيرة من الرعب والأحداث الخيالية، وقد أحدثت تلك الرواية نجاحاً كبيراً.

وفي 1986 صدرت روايتها الثالثة (ليلة المليار)، حيث أُظهرت ثُقل موهبتها؛ وتحكي عن الغزو الإسرائيلي للبنان والعلاقات المترابطة والمتشابكة بين الناس حينها وأهوال تلك الحرب، في تلك الرواية رصدت ما عانته المرأة العربية في ذلك الوقت على أصعدة مختلفة من حيث الانتماء والوطنية والتثقيف وعمليات التهجير وحتى الحياة الجنسية. وفي نفس العام قامت بنشر (غُربة تحت الصفر)، والتي قد أهدتها إلى لُبنان.

كتبت “غادة السمان” حوالي 10 مجموعات قصصية، منها مجموعة (القمر المُربع: قصص غربية)، 1994 وفى تلك المجموعة خلطت “السمان” العديد من المشاعر والأحداث والشخصيات والنهايات المُفاجئة وغير المعتادة لتصل إلى حبكة تميل إلى الواقعية متماشية مع الأحداث اليومية.

أما في شعرها فقد مالت “غادة السمان” إلى استخدامه كأداة لخدمة أهدافها وانتماؤها السياسي، وقد صورت في دواوينها الشعرية العشق، والحرب. وفى مجموعتها الشعرية الأخيرة (رسالة حنين إلى ياسمين)، 1996، عبرت عن حنينها إلى الوطن وشغفها للعودة إلى “دمشق” مدينة الياسمين.

صدرت لها (الرواية المستحيلة: فسيفساء دمشقية)، عام 1997، و(سهرة تنكرية للموتى)، عام 2003؛ والتي عادت فيها للتنبوء بأن الأوضاع في لبنان معرضة للانفجار. ولا تزال تكتب أسبوعياً في إحدى المجلات العربية الصادرة في لندن.

يقول الباحث “عفيف فراج”، في كتابه (الحرية في أدب المرأة)، عن أدب “غادة السمان”: “إن الأصالة الفنية التي تقف وراء استمرارية غادة السمان هي أهم ما يميزها على جيلها من الكاتبات. فحين نجد أن الكاتبات “ليلى بعلبكي”، “كوليت خوري”، و”ليلى عسيران” بدأن بأعمال قصصية وقفن معها على ذروة، ليتدحرجن مع قصتهن الثانية إلى السفح، نجد أن غادة السمان تبدأ من السفح بمجموعة (لا بحر في بيروت) لتصل بمجموعتها القصصية (ليل الغرباء) إلى ذروة فنية تتجاوزها إلى ذروة أعلى بمجموعتها القصصية الأخيرة (رحيل المرافئ القديمة)”.

وفي رسالة ماجستير بعنوان: (إشكالية التجاوز في أدب غادة السمان القصصي)، للباحث العٌماني “إحسان صادق سعيد”، يقول فيها: “ويبرز دور الزمان في أدب غادة السمان القصصي، حين تلاحظ المكانة الكبيرة التي يحتلها من عملية السرد نفسها من جهة، ومن وعي الشخوص من جهة ثانية. فمن الجهة الأولى قلما يكون الزمان سائراً، في قصص غادة السمان ورواياتها، على وتيرة واحدة في السرد ممتدة من الماضي وصولاً إلى الحاضر دونما أي تغيير في خط السير، إذ الغالب أن تقوم غادة بتفتيت الزمان باستعمال تقنيات عديدة أهمها تقنية الاسترجاع التي تكسر رتابة خط سيره وتجعل إيقاعه متناغماً مع إيقاع الشخوص الداخلي، الأمر الذي يكفل له أن يكون ذا دور كبير في بلورة سمات هؤلاء الشخوص من خلال تتبع حركات الذاكرة لديهم. والملاحظ أن تقنية الاسترجاع كانت تستخدم في مجموعتي غادة القصصيتين الأولى والثانية (عينان قدري، ولا بحر في بيروت) بصورة غير مباشرة، لكن الأمر تغير بعد ذلك، فصار الاسترجاع مباشراً غير محتاج إلى عبارات تمهد له، ومع هذا فقد بقي مميزاً عن سائر فصول السرد بتقنيات طباعية خاصة تتمثل في حصره بين علامتي تفصيص واستعمال نوع خاص من الخط له، أغمق من غيره”.

ويواصل الباحث: “وإلى جانب تقنية الاسترجاع كثيراً ما تعتمد قصص غادة ورواياتها في كسر رتابة خط سير الزمن على تقنية الحوار الداخلي أو المونولوج، وهي تقنية تتكفل بتجميد حركة الزمن لأجل السماح بإلقاء مزيد من الضوء على باطن الشخصية المتحدثة. ويكون المونولوج، كشأن الاسترجاع مميزاً في النص بحروف طباعية غامقة وبعلامتي تفصيص. وتقنية المونولوج وإن كانت كثيرة الاستخدام في أدب غادة القصصي، إلا أنها لم تجعل هذا الأدب – لا بقصصه القصيرة ولا برواياته – يغدو سائراً في الاتجاه الأدبي الذي يعرف باسم (تيار الوعي)، خلافاً لمن زعم ذلك، ذلك أن هذا التيار يقوم أساساً على ارتياد مستويات ما قبل الكلام من الوعي، بهدف الكشف عن الكيان النفسي للشخصيات، ومن أهم سمات مستويات ما قبل الكلام هذه أنها أدلا تخضع للمراقبة والسيطرة والتنظيم على نحو منطقي، وهذا غير متحقق أصلاً في مونولوجات قصص غادة ورواياتها، فهي جميعاً خاضعة للتنظيم المنطقي الواعي الذي لا يسمح للأفكار بأن تنثال على الذهن بطريقة عشوائية مفتقرة إلى الترتيب والتنسيق، كما يلاحظ لدى (وليم فوكنر) و(فرغينيا) و(ولف) و(جيمس غويس) مثلاً. ولعل عدم لجوء غادة إلى تيار الوعي أن يكون راجعاً إلى حرصها الشديد على المحافظة على سمة الوضوح في أدبها، كيما يصل هذا الأدب إلى الجمهور العريض الذي تكتب له، وفي هذا تقول غادة: أنا من الكتاب الذين يحترمون الجمهور العادي لا النخبة وحدها، ولست من الذين يعلنون بعجرفة أنهم يكتبون لأنفسهم”.

عن الزمن والمكان في أدبها، يضيف الباحث: “وتشترك مع المونولوج في تجميد حركة الزمن تقنيات أخرى، كالحوار بين الشخوص، واللجوء إلى الأحلام والكوابيس، وقطع السرد بتضمينه مجموعة من الأساطير والحكايات الشعبية، والرموز التاريخية والحكم والأمثال، من خلال ما يعرف بـ(التناص)، بالإضافة إلى بعض الأشعار التي قد تضعها غادة على ألسنة بعض شخوصها.أما المكان فهو الآخر ليس، في أدب غادة القصصي، مجرد خلفية للحدث أو ساحة لابد منها لحصوله. إنه يتلون بلون الحدث ويعمل على استكشاف أبعاده وآفاقه المختلفة، وبتعبير آخر: (المكان يلد السر قبل أن تلاه الأحداث الروائية).ومن هنا كان المخزن الأسطوري الموزع لهدايا الموت في قصة (القيد والتابوت)، واقعاً في شارع يدعى (شارع الزعقة)، وكانت مشاعر عبثية النضال، في قصة (بقعة ضوء على مسرح)، مقترنة بالبار الذي يدعى (فرسان دون كيشوت)، والذي كان أخو البطلة قد اختار مجاورته عمداً. كما لم يكن اختيار (الكوميدي فرانسيز) مكاناً للقاء المضحك المبكي بين بطلة (الدانوب الرمادي) وحبيبها السابق (حازم) خالياً من الدلالة”.

ويؤكد “إحسان صادق سعيد”، في دراسته، على أن “للمكان دوره الواضح في التأثير على سلوك شخوص غادة وفي توجيه تصرفاتهم وبلورة نفسياتهم وقراراتهم.. فبطلة قصة (جنية البجع) مثلاً أرادت أن تخبر زوجها برفضها ترك باريس والرجوع معه إلى بيروت، لكنها أبت أن يكون هذا الإخبار في جزيرة البجع، المكان الذي شهد ذروة حبهما، لإدراكها مدى التنافي بين دلالة المكان ودلالة الخبر الذي كانت تحمله لزوجها. وقد كانت للأماكن التي شاهدتها بطلة (الدانوب الرمادي) في فيينا: كنيسة سان استيفان، بيت بيتهوفن، المقابر، قصر شونبرون، نهر الدانوب، آثارها الواضحة في استثارة ذكرياتها وتحريك همومها، ومن ثم في تحديد ردود فعلها، حتى ليمكن القول: إن المكان الروائي يصبح نوعا من القدر. إنه يمسك بشخصياته وأحداثه، ولا يدع  لها إلا هامشاً محدوداً لحرية الحركة”.

 

 

مقالات ذات صله