عوائد الثروات النفطية في البلدان المنتجة  ومخاطر إصابتها بأعراض المرض الهولندي                                                          

  الأستاذ الدكتور سعود جايد مشكور

   جامعة المثنى – كلية الإدارة والاقتصاد

 

يتفق الجميع حول دور وفعالية الثروة النفطية في تطور الاقتصادات النفطية وهذه الحقيقة لا يختلف عليها اثنان . وما يؤكد هذه الحقيقة، إن أغلب البحوث والدراسات أشادت بدور النفط في التنمية الاقتصادية في أغلب البلدان النفطية ومنها البلدان العربية والتي منها العراق، وتعد الإيرادات النفطية من المصادر المهمة لتوليد العملات الصعبة بغية تمويل الموازنة العامة في أغلب تلك البلدان، ولكن ما يتبادر إلى الذهن تساؤل مفاده كيف يمكن استخدام الثروة النفطية لتنمية حال اليوم وكيف بالغد عند نضوب النفط أو عند اكتشاف مصادر بديلة للطاقة؟ مثلما حصل في الولايات المتحدة الأمريكية عندما قررت استخراج النفط من الصخر الزيتي (وهو صخر رسوبي يحتوي على مادة عضوية صلبة قابلة للاحتراق والتقطير تحتوي على نسبة من المواد العضوية الثقيلة التي تدخل في تركيبها النيتروجين والأكسجين والتي تسمى الكيروجين متخللة بين حبيباتها  ) واعتبرت ذلك محاولة لا يجاد بدائل عن النفط كمصادر للطاقة ، كذلك تساؤل اخر مفاده هل حققت البلدان النفطية خطوات جريئة في ميدان التطور الصناعي والتقني في الوقت الذي حققت فيهِ بعض البلدان النامية والتي لا تمتلك ثروات طبيعية وخطوات جريئة في هذا المجال ، وغيرها من الأسئلة التي تدور في ذهن الجميع . وكمحاولة للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها لابد من الإشارة في بادئ الأمر إلى مفهوم المرض الهولندي وجذورهِ التاريخية بعد إن بدأت هذهِ الظاهرة تصيب البلدان النفطية الخليجية ومنها العراق تحديداً.

دخل مصطلح المرض الهولندي إلى قاموس المصطلحات على الصعيد العالمي منذ أكثر من ثلاثين عاما. أول من نشر المصطلح كان مجلة( الإيكو نومست( البريطانية التي نشرت عنه مقالا في أحد أعدادها الصادرة عام 1977، عندما تطرقت لموضوع تراجع قطاع التصنيع في هولندا بعد اكتشاف حقل كبير للغاز الطبيعي سنة 1959.

يمثل مفهوم المرض الهولندي ، في الاقتصاد، العلاقة الظاهرة بين ازدهار التنمية الاقتصادية بسبب الموارد الطبيعية وانخفاض قطاع الصناعات التحويلية (أو الزراعية). وهذا المرض يمثل مصطلح اطلق على حالة من الكسل والتراخي الوظيفي أصابت الشعب الهولندي في النصف الأول من القرن الماضي 1950 – 1900، بعد اكتشاف النفط في بحر الشمال، اذ ان الشعب الهولندي فضل الترف والراحة واستلطف الإنفاق الاستهلاكي البذخي، فما كان إلا ان دفع ضريبة هذه الحالة ولكن بعد أن أفاق على حقيقة نضوب الآبار النفطية التي استنزفها باستهلاكه غير المنتج ، وعلى هذا الأساس تم تسمية هذه الحالة في التاريخ الاقتصادي بالمرض الهولندي.

يحاول مصطلح المرض الهولندي تفسير الظاهرة التي رصدها علماء الاقتصاد والسياسة بالنسبة لما حدث للهولنديين بالذات بعد اكتشاف النفط والغاز الطبيعي في المناطق التابعة لهم في بحر الشمال ، وكذلك لما أصاب بعض اقتصادات دول العالم بنفس الظاهرة وانتقالها اليها من خلال ظهور الأعراض ذاتها.

لقد زاد من تفاقم الظاهرة حينما أدت حصيلة الموارد الطبيعية من الطاقة إلى ارتفاع أسعار صرف العملة الوطنية في هولندا وارتفعت من جرائها أسعار السلع التي أنتجتها هولندا، مما أفضى إلى عجز هذه السلع عن المنافسة في أسواق التصدير بل جعل السلع المستوردة من الخارج أقل سعرا ، ومن ثم أفضل اختيارا للمستهلك المحلي. وكانت نتيجة هذا كله اضمحلال النشاط الإنتاجي الصناعي بالذات وتلك ظاهرة أخرى قد يطلق عليها تسمية ( اللاتصنيع ) .

وفي ظل هذا العزوف عن الإنتاج وهذا الاضمحلال للنشاط الصناعي تقل بالتالي فرص العمل وتشتد عندها مشكلة البطالة في البلد. ولا يتورع العمال عن المطالبة باستحقاقات العجز والإعاقة ويتم هذا كله في ظل ارتفاع أسعار صرف العملة.

الأمر الذي دفع المفكرون الاقتصاديون الى التحذير من اقتصادات الاعتماد فقط على الموارد الطبيعية لأنه يخلق في رأيهم بلدانا غنية وشعوب فقيرة. وهذا هو جوهر الإصابة بالمرض الهولندي كما وصفته «الإيكو نومست» منذ ما يقارب أربعة عقود، وإن كانت البشرية، واقتصاداتها قد عرفته وكابدته عبر مراحل وظروف شتى من تاريخها ـ

يدون مؤرخو الاقتصاد السياسي حالات من هذه الإصابة بآفة «المرض الهولندي» وكلها حالات تجسدت في ثروات كبيرة ظهرت في هذا البلد أو ذاك من خارطة العالم بفضل اكتشافات أو مميزات وهبتها الطبيعة من موارد طبيعية ثمينة سواء في عالم المعادن النفيسة (الذهب والألماس والنحاس واليورانيوم والبوكسيت) أو في عالم مستلزمات الطاقة (النفط والغاز الطبيعي) أو على شكل محاصيل زراعية ذات قيمة تجارية وعائد نقدي طائل (البن والشاي والكاكاو…. الخ).

وفي هذا المجال ينصرف المعنى الأوسع إلى مفهوم العلاقة بين التوسع في استغلال هذه الموارد الطبيعية معدنية كانت أو زراعية، وبين الانكماش في مجال الصناعات التحويلية، وهي نفس العلاقة التي تفضي إلى مزيد من العوائد المالية وقليل من فرص العمل الوطنية وربما مزيد من استيراد قوى عاملة أجنبية تتمتع بمهارات خاصة ومطلوبة في ظل انكماش تصدير المنتجات المحلية المصنّعة التي تفقد باضطراد مزاياها النسبية من جهة، ولا تكاد تصمد للمنافسة السعرية في أسواق التبادل التجاري الدولي من جهة أخرى.

من هنا يمكن القول إن المرض الهولندي داء مزمن فقد سبق وأن أصاب إسبانيا في القرن السابع عشر عندما ظهرت لديها ثروات كبيرة تجسدت في اكتشاف واستغلال مناجم الذهب والنحاس من مستعمرات إسبانيا التي كانت في طول قارة أميركا اللاتينية وفي عرضها..

وينطبق الأمر نفسه على ما يذكره المؤرخون بأنه سباق الذهب المحموم الذي عاشته أستراليا منذ ستينات القرن التاسع عشر، وعلى كل من المكسيك والنرويج وأذربيجان بالنسبة لاكتشافات النفط أو الغاز في أراضيها خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وفي مقدمتها بالذات كانت هولندا (الأرض الواطئة) التي نسبوا إليها ظاهرة المرض الهولندي على وجه الخصوص. مع ذلك يمكن القول إن البلدان الآنفة الذكر ومنها الأوروبية بالذات استطاعت بصورة أو بأخرى أن تشخص المرض وأن تتعامل مع عوارضه.

المشكلة الأساسية هي التي تتمثل في أحوال البلدان النامية ـ في أفريقيا بالذات والأمثلة التي تساق في هذا الخصوص هو نموذج نيجيريا، البلد الإفريقي الذي طالما يحسد خلال حقبة ما من الزمن ، اذ وهبته الطبيعة حظا سخيا من حيث موارد الطاقة الهيدروكربونية وخاصة في إقليم دلتا نهر النيجر.

لقد قام هذا البلد الإفريقي الكبير بالتوجه السريع نحو استغلال النفط وموارده وعوائده وثرواته، ونتيجة لهذا التوجه جاءت الإصابة بكل أعراض المرض الهولندي. تمثلت هذه الإصابة في جلب أو استقدام كل العوائد والموارد إلى داخل بنية الاقتصاد النيجيري الذي كان عاجزا ، بعد فترة استعمار طويلة ، عن استيعاب تلك الثروات المحصلة في إطار النشاط إنتاجي.

وكان طبيعيا أن يتم هذا الاستيعاب لصالح تكوين ثروات طائلة عدد معين من الأفراد الذين ضمتهم دوائر أو جماعات المصالح الفردية أو العشائرية أو الفئوية الضيقة وتم ذلك أولا على حساب خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتم ذلك ثانيا لحساب استشراء سلوكيات الفساد المالي والإداري بين صفوف حملة المسؤوليات وراسمي السياسات وصانعي القرارات ، وتم ذلك أخيرا لصالح الاحتكارات العالمية للطاقة ولم يستفد منها الشعب الإفريقي أي شيء يذكر. وإذا كان من المعروف أن لكل مرض آثارا جانبية، فمن الآثار الجانبية السلبية للإصابة بالمرض الهولندي هو ما ينتقل من مجال الاقتصاد إلى مجال الممارسة السياسية..

ومع تزايد حسابات الرؤساء والوزراء والجنرالات في مصارف العالم ومنها الأوروبية والأميركية مقابل تناقص منفعة الشعوب من مقدرات بلدانها، فان الأمر يولد مشاعر الغضب والسخط بين هؤلاء المهمشين اقتصاديا والمعدمين اجتماعيا ، ومن ثم لا تجد احتكارات الثروة في تلك البلدان مناصا من أن تلجأ إلى المزيد من إجراءات القمع الديكتاتوري للإبقاء على الأوضاع دون تحوّل أو تغيير أو إصلاح.

أما العراق ، بالإضافة إلى إصابته بأعراض المرض الهولندي فان هنالك مضاعفات كبيرة لهذا المرض تمثلت بهدر الثروة دون الاستفادة منها في تطوير البنية الاقتصادية وخدمة المجتمع ولعل أهم العوامل التي ساعدت على ذلك هي:

  • غياب الاستراتيجية التنموية

يعاني العراق كغيره من الاقتصادات التي أصيبت بهذا المرض من عدم وجود أهداف واستراتيجيات واضحة للتنمية. وفي ظل هذا الواقع الذي يشهد تخبط السياسات الاقتصادية، لم توجه الموارد النفطية والطبيعية إلى القنوات المهمة التي من شأنها إحداث تغيير جذري في البنيان الاقتصادي، اذ انه من المفترض ان تستخدم إيرادات الموارد النفطية كدفعة قوية من خلال القدرة على توفير مقدار من البدء والتحرك نحو مرحلة البحث الذاتي وإجراء تغيرات في الاقتصاد القومي، إلا إنه في ظل غياب استراتيجية تنموية ملائمة وسوء تخصيص العوائد النفطية فان الفشل سيكون من نصيب التنمية الاقتصادية.

  • وجود نزاعات لأطراف السلطة على الثروة

إن الثروات الريعية الطائلة عادة ما يرافقها سوء التعامل معها لتسخيرها لعملية التنمية الاقتصادية ، لذا فإنها لا تؤدي إلى تخلف الاقتصاد فحسب بل تؤدي إلى خلق اتجاهات ومناخات سياسية تنمو في غمارها النزاعات السلطوية وأساليب الحكم.

  • انتشار ظاهرة الاتكالية والاعتمادية على الدولة

يعيش الاقتصاد العراقي ظروف قاسية من التهميش والتبعية في ظل المرحلة الاستعمارية، وظهور حالة الركود والقناعة بالأوضاع المتردية وحالة الاسترخاء والركون إلى الراحة، أضعفت حالة المبادرة لدى أفراد المجتمع. إن حالة الاتكالية على الدولة في توفير الاحتياجات الشخصية هي عامل إحباط لمساهمة الأفراد في النشاط الاقتصادي بالتالي تمثل أحد أعراض المرض الهولندي.

ونتيجة لذلك تشهد بلدان عديدة في العالم ومنها العراق على وجه الخصوص أزمة اقتصادية، بسبب هبوط أسعار النفط في الأسواق العالمية، دون ( 48 ) دولار للبرميل الواحد، بعد ان كان السعر( 110 ) دولار. فبالنسبة للعراق فان مبالغ الموازنة البالغة ( 84 ) تريليون دينار عراقي في موازنة 2016 ( أي ما يعادل 75 مليار دولار أمريكي ) والذي سيعادل تقريباً الموارد الكلية للموازنة /عدا العجز/ والمتأتية من اعتماد سعر( 45 ) دولار لبرميل النفط وبمعدل تصدير 3 ملايين و 600 ألف برميل يوميا إضافة إلى (14 ) تريليون تقريباً من واردات الضرائب ومتحصلات الدولة الأخرى، وهو ما يعادل (12.5 ) مليار دولار. ان هذا الانخفاض في أسعار النفط “لن يبقي شيئاً للاستثمار في الموازنة العامة سوى اعتماد سياسات الاقتراض والعجز والتضخم عبر سعر صرف العملة أما بخصوص النفقات التشغيلية فانه بالإمكان  تقليل بعض أضرار ارتفاعها المفرط بل الاستفادة من ذلك جزئياً في ظروف الاقتصاد الراهنة”.

الأستاذ الدكتور سعود جايد مشكور

 جامعة المثنى – كلية الإدارة والاقتصاد

مقالات ذات صله