عن عمر يناهز الـ69 … التشكيلي العراقي مخلد المختار يرحل بعيدا عن وطنه

 

بغداد_ متابعة

رحل عن عالمنا الجمعة 29 سبتمبر الماضي الفنان مخلد المختار بعد صراع مع المرض عن عمر ناهز الـ69 سنة، في مغتربه بالعاصمة النمساوية فيينا.

وولد مخلد المختار في مدينة الموصل شمالي العراق في عام 1948 من أسرة موصلية عريقة، إذ كان والده يحيى الخطاط مختار محلة باب لكش في الموصل ومن وجهاء محافظة نينوى، وهو من مؤسسي النهضة الثقافية في العراق، ويعود نسبه إلى عشيرة العبيد، وهي من العشائر الكبيرة في العراق والوطن العربي.

وتخرّج مخلد المختار في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد وأكاديمية روما والمركز الثّقافي العالمي للفنون في روما بإيطاليا عام 1973، وفي عام 1977 حصل على الدبلوم العالي في الديكور والتزيين، ثم درس أربع سنوات ما بعد البكالوريوس في أكاديمية روما للفنون الجميلة، وتخرج بدرجة امتياز، وأكمل دراسته في روما على نفقته الخاصة.

والمختار من الفنانين المعاصرين، من جيل سبعينات القرن الماضي، وهو رسّام تشخيصي في إطار الفن الشعبي المُسمى “بوب آرت”، لكنّه لم يتخلّ عن الموضوع المستمد من الحياة اليومية أو ما يقع في دائرة اهتمام الطّبقات العامة، ومن أجمل أعماله تلك التي يستخدم فيها المنهج العلمي بصيغة تراكمية مُشبعة ببعض الاقتباسات الأسلوبية.

لجأ في بعض لوحاته إلى أسلوب يجمع ما بين مبدأ التلصيق والرّسم في آنٍ واحد مازجا بين الاثنين من دون أن يُهمل الملامح التراثية لما يسمّى، عراقيا، بالإفريز السومري، وقد لجأ إلى هذا الأسلوب فنانون عراقيون آخرون مُتأثّرين بالتراث العراقي القديم.

ويقول الشاعر العراقي حميد سعيد إن مخلد المختار كان يمنح الفن جمالا، على جمال روحه، وصفاء على صفائه، ومن النادر أن يلتقي المرء بمبدع يتصف بما اتصف به مخلد المختار، بما كان فيه من شهامة وتواضع وحب للحياة، وحب للآخرين.

 

ويتأمل الروائي المغربي أحمد المديني آخر صورة التقطت للفنان، ويقول “نحل نحولا شديدا في آخر صورة له، هو الذي عرفته بهيا وذَا أنفة.. عجيب، كان بوسعه أن يعيش أكثر، وهو في إحدى أجمل مدن الدنيا، لكنها الغربة والشتات وضياع كل شيء أصعب من التحمل غالبا”.

وشغل المختار موقع عميد معهد الفنون الجميلة في بغداد، وشارك في تأسيس معاهد الفنون الجميلة في الموصل والبصرة والسليمانية، وفي تطوير معهد الفنون في بغداد بفتح فروع وأقسام حديثة ومضافة كفروع التصميم، والمقام العراقي، والآلات الموسيقية الهوائية، والدراسات السمفونية، والدراسات الجمالية، وتحويل فرع الخط والزخرفة العربية إلى قسم.

الراحل كان رساما تشخيصيا في إطار الفن الشعبي “بوب آرت”، جامعا الرسم بالتلصيق

كما أسهم في تسجيل معهد الفنون الجميلة وملحقاته بإدارة اليونسكو العلمية، كتراث قيّم وحضاري، وعمل على تعيين الطلبة الأوائل على الفروع والأقسام معلمين في المعهد وحصل لهم على منح دراسية لإكمال دراستهم داخل العراق أو خارجه.

وشغل المختار في عام 1998 حتى احتلال العراق في 9 أبريل 2003 موقع مدير عام دائرة الفنون التشكيلية العراقية في وزارة الثقافة العراقية، ومثل العراق منذ عام 1978، تشكيليا، في العديد من المؤتمرات مثل المؤتمر العالمي للفنون والمؤتمر الثالث لاتحاد التشكيليين العرب، الذي عقد في العاصمة الليبية طرابلس عام 1983، وفي المؤتمر التاسع للفنانين التشكيليين الألمان “دي دي آر” في عام 1989، وفي المؤتمر الحادي عشر للرابطة الدولية للفنون التشكيلية في العاصمة الإسبانية مدريد برفقة أستاذيه فائق حسن وإسماعيل الشيخلي.

وانتخب المختار نائبا لنقيب الفنانين العراقيين عام 1983 ونائبا لرئيس جمعية التشكيليين العراقيين عام 1986 حتى عام 1990، إذ تم انتخابه رئيسا لجمعية التشكيليين العراقيين حتى عام 1997.

والمختار عضو فاعل في منظمات وجمعيات وروابط ونقابات دولية وعربية عديدة للفنون التشكيلية، وانتخب عضوا في المجمع العلمي العراقي، وهو عضو ناشط في المكتب الفيدرالي للفنون “شون برون” في النمسا، وحاز جوائز دولية، وأقام معارض شخصية كثيرة.

ولئن كان المختار ليس أول مهاجر وليس آخر مهاجر يقضي بعيدا عن وطنه، فإنه كان مهاجرا مبدعا ظل يعطي للحياة حتى آخر لحظة من حياته رافعا راية الإبداع العراقي في الغربة والشتات.

 

مقالات ذات صله