علي الوردي حفيد ابن خلدون ولسان العرب في أميركا

بغداد _ متابعة

تكشف رسائل المبدعين والكتاب والمفكرين عادة جوانب خفية ومختلفة من حياتهم، من خلالها يمكن أن نفهم من أين جاءت أعمالهم وأفكارهم، ومن خلالها أيضا نكتشف مناطق وألوانا خفية تكمل صورة المبدع التي نراها في ما يكتبه من أدب أو فكر. وهذا ما يفسر أهمية الرسائل البالغة.

عن دار العرب للنشر والتوزيع صدر كتاب للإعلامي العراقي سلام الشماع الموسوم بـ”الرسائل المتبادلة، علي الوردي.. بين تكساس وبغداد 1946-1950”، الذي حوى أكثر من 100 رسالة كتب أغلبها بخط يد عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي في السنوات المحصورة بين 1946 و1950، والباقي منها بخط يد الفنان العراقي خليل الورد ابن عم المفكر.

كشفت هذه الرسائل حجم الجهود المضنية التي بذلها الوردي في دراسته خلال تلك المرحلة، كما ألقت الضوء على جوانب مهمة من شخصيته وخصاله ومثابرته في الوصول إلى الحقيقة، ودقته في تصريف أعماله، فضلاً عن كونها أعطت صورة واضحة عن حياة الناس في العراق، والأحداث التي مرت عليهم في تلك السنوات.

كما أنها كشفت عن جهل الأميركان بعالم الاجتماع العربي الأول ابن خلدون مما دفع الوردي إلى التركيز عليه وعلى جهوده في أكثر من كتاب، أبرزها “منطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته” الذي سلط الضوء على نظرية ابن خلدون الاجتماعية وتحليل الأسس التي تقوم عليها، كما جعل لابن خلدون القسط الأوفى في أطروحته للدكتوراه من جامعة تكساس في عام 1950، مؤكدا فيها أهمية فهم المجتمع وممارساته وعلاقاته ومدى تقدمه عن طريق الصراع والتفاعل بين الحضارة والبداوة، فهو مفكر يُعمل عقله في ما يدرس ويحلل بناءً على الواقع الذي يرى وليس على أساس غيبيات ومثاليات فلسفية.

يؤكد الوردي أن أطروحته عملت على تكوين وطرح نظريته الاجتماعية عن التاريخ الإسلامي وهي برأيه “نظرية جديدة لم يتطرق إليها أحدٌ من قبل، لأن الذين درسوا التاريخ الإسلامي لم يدرسوا علم الاجتماع، والذين درسوا علم الاجتماع لم يدرسوا التاريخ الإسلامي”، فضلاً عن وقوفه في محطات مهمة من التأمل والتحليل كقوله وهو يتأمل قراءته للتاريخ الإسلامي وتشكيله الطبقي “إني وجدت بعد الدراسة الطويلة في التاريخ الإسلامي نقطة حساسة دار حولها كثيرٌ من الصدام الفكري والاجتماعي ألا وهي ذلك التناقض بين ما يتطلب الدين الإسلامي من عدالة اجتماعية، وما حدث بالفعل في المجتمع الإسلامي من ظلم وتباين في الطبقات الاجتماعية وتبذير وفقر. لقد وجدتُ أن هذا التناقض قد أنتج ثورة الخوارج وانعزال الصوفيين وتقية الإمامية وثورات الزيديين واشتراكية الاسماعيليين وبالتالي فلسفة ابن خلدون في حتمية الظروف الاجتماعية. ورأيي أن ابن خلدون كتب مقدمته بدافع الاعتذار عن الواقع والدفاع عن هذا التناقض بين الإسلام والمسلمين”.

ولعلّ الدارس المعاصر سيجد تلك المسببات والنتائج تعيد نفسها في الكثير من المجتمعات الإسلامية اليوم مُعيدة تاريخ الظلم والتناقض وما آلت إليه من عنف وصراعات دموية، وليس ما حدث ويحدث في العراق وسوريا وباقي البلدان ببعيدٍ عنا.

قسّم المؤلف خطة الكتاب إلى عدة فصول وشرح طريقة عمله في المقدمة، ولعلَّ العمل خمس سنوات في تحقيق هذه الرسائل يبدو واضحاً في دقة الهوامش وتوثيق المعلومة ومتابعة الغامض في اللفظ أو الجمل، مُشيراً إلى الكلمات التي غيّرها، لغوية كانت أم إملائية أم نحوية، كما وضع بين قوسين الكلمات التي فات على كاتب الرسالة وضعها سهواً فأخلّ بالمعنى، وأما ما لم يتمكن من قراءته فقد وضعه بين قوسين وأشار إلى أن “هذه كلمات لم يستطع قراءتها”، كما أضاف هوامش لتفسير بعض الأحداث الواردة في الرسائل والتعريف بالشخصيات التي ذُكرت أسماؤها، وما غمض فيها على القارئ من غير أبناء مدينة الكاظمية التي تكرر ذكرها في الرسائل.

مقالات ذات صله