علم فوق سارية القلب

حمزة مصطفى

أجمل شيء حين يكون الحزن بطعم الفرح. هذا ما عبر عنه وزير الدفاع خالد العبيدي واصفاً حال الرمادي بعد تحريرها: “لم نجد بناية مرتفعة في الرمادي لنرفع فوقها العلم العراقي”. كمية الحزن في هذا التصريح لا حدود لها حين يتعلق الأمر ببنية تحتية لمدينة لها تاريخ موغل في القدم مثل الرمادي. ومثلما لها تاريخ يتشارك فيه معها كل العراقيين فإن لناسها النازحين والمهجرين الآن ذكريات مع تلك الأبنية والاماكن والشوارع والأزقة والحدائق والزوايا بمن فيها المظلمة بل حتى تلك الأشد عتمة والتي أحالها الدواعش الى محض تراب.
مع ذلك حتى وإن بدت الرمادي خربة فلا تبدو مدمرة في ظل هذا الإحساس العارم بالفرح. هذا الفرح الذي ملأ النفوس بينما يعيش الدواعش طعم الهزيمة بعد سنتين من غرور فارغ كان السبب فيه خطأ لم يدفع المتسببون به حتى الآن أي ثمن مما يتوجب دفعه إذا استذكرنا أحداث التاريخ ووقائعه حين يتعلق الأمر بكرامة أمة وكبرياء وطن. وبينما يفتخر الدواعش إنهم دخلوا الموصل وتكريت بـ”هورنات السيارات” فإن هذا لاينتقص من قدر الجندية العراقية إذا ما أدركنا وطبقاً لحقائق التاريخ ووقائعه أيضاً أن “جبن” جندي واحد كفيل أحيانا بهزيمة أكبر جيش في العالم.
لم تستمر الأوضاع على ما كان يتمناه أعداء الداخل والخارج. إنتفض العراقيون وبدأت معارك التحرير.. جرف الصخر، آمرلي، العلم والدور وتكريت والآن الرمادي التي كسرت ضلع تنظيم داعش الذي راهن طويلاً على رمزيتها. ولأنه يعرف أن الرمادي بكامل حضورها البهي في الوجدان العراقي بمن في ذلك البعد الإجتماعي فيها كونها رمز الكرم العراقي فقد جاد العراقيون من كل المحافظات بأغلى ما يمكن أن يجودوا به وهو النفس من أجل تحريرها و”الجود بالنفس أقصى غاية الجود”.
إختلف السياسيون كثيراً على العلم الوطني، مثلما اختلفوا على النشيد الوطني ومازالوا مختلفين. لكن عندما يحتاج الوطن الى علم يفتخر به والى نشيد يلهج به لايهم شكل الألوان ونوع الكلمات بل المهم الإحساس بهما في لحظة الحاجة المقدسة. في الرمادي وبعد التحرير حضرت كل ألوان الدنيا وكل قواميس اللغة لتختار أجمل الألوان وأحلى الكلمات وهي تلف جثمان شهيد طاهر نزف دمه على مقربة من المجمع الحكومي في الرمادي.
الأمر لايحتاج سيادة الوزير الى مكان مرتفع لكي نرفع فوقه العلم العراقي. نحن نعرف ان الدواعش سوف يخربون الأبنية لأن لا علاقة تربطهم بالمكان. وحين يحتاج الأمر الى سارية لكي نرفع فوقها العلم فإن أغلى ما يمكن ان يرتفع فوقه العلم هو سارية القلب.

مقالات ذات صله