علاقة مرتبكة بين الخطابين النخبوي والشعبي

عدنان أبوزيد

بعد ان أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، نافذة عملية لوجهات النظر العمومية، فيما وسائل الاعلام والفضائيات تعبر اكثر عن الخطاب النخبوي والرسمي، يمكن تمييز الفرق بين خطابين في العراق: المٌشاع الجماهيري، الذي لا يرى انفراجا في الأوضاع ، ويركن الى تصورات بانّ لا جدوى من الدستور والمؤسسات، والحكومات، بسبب ضعف الإنجاز. والنخبوي وابرز رموزه، الحكومي والبرلماني، الذي يتبنى التفسير التبريري، لما حصل ويحصل.
..
الركيزة العامة، انّ القواعد الشعبية تقذف بأسباب الازمات على النخب، فيما الأخيرة تتوارى خلف النفوذ والتجنيد الإعلامي، الذي يسوّق الأعذار. وفي الكثير من دول العالم، تفاقم الموقف الى الصدام بين الجبهتين، بعد ان أصبح احتواء الأوضاع، غير ممكن، وهو ما ينذر باحتمال فوضى عارمة.
و في العراق، لازالت العلاقة تتدهور بين الشارع والنخبة النافذة، في ظل غياب مقاربة اجتماعية وسياسية وامنية تحافظ على بقاء النظام الديمقراطي الذي يواجه تهديدا وجوديا.
..
الرصد يفيد بعلاقة مرتبكة مع نخب الدولة والناس، وما يعزّز الفجوة هو دورات من الازمات المتلاحقة، وقد أدى ذلك الى انغماس الناس في السياسة بوعي او من دونه، معتقدين ان ممارستها يساهم في الحل، فيما واقع الحال ان كلا من النخب والجمهور لم يرتقيا الى مستوى الحدث، فيما الخطاب غفل عن تجاوز الأسباب، وانجذب الى تبادل الاتهامات، وأحد الأمثلة الواقعية ( على سبيل المثال، لا الحصر)، مشكلة النظافة، فبينما ينتظر الناس من الحكومات المحلية حلا، فان أصحاب الدكاكين، وساكني الأحياء، يرمون بالفضلات في الشارع وفي الأنهر، وقسّ على ذلك، على المربعات الخطيرة الأخرى.

تاريخيا، فانّ العلاقة بين الجمهور والسلطة، منذ تأسيس الدولة العراقية تتسم بعدم الثقة، لاسيما وان نخب السياسة في الشكل العام مثّلت رموزا استعلائية، انحرفت بالتنمية وخدمة الناس الى المصالح، وانحسر المجتمع المدني بسبب الخطاب المتطرف، القومي والديني والمناطقي ،الى العسكرة، والترييف، والفوضى.
..
لكي نرسي مفردات خطاب جامع مشترك بين النخب والعامة، نحتاج الى اثراء السلطات بالكفاءات الاكاديمية القادرة على توليد الأفكار القابلة للتطبيق، الجاذبة للجماهير، والملتزمة بالمبادئ الأخلاقية، التي تحفّز الجمهور على استيعاب خطاب السلطات الرسمية، وتستعيد الثقة المفقودة.

من جوانب الخلاف بين النخبة والجمهور في العراق، انفراط تدابير المحاسبة، ما جعل المواطن يصاب بحساسية مفرطة من أي خطوة تقوم بها النخب حتى لو كانت صادقة، ومثمرة النتائج، واحد أسباب ذلك، ان النخبة التي تتمتع بالنفوذ والمال، اخترعت لنفسها ابراجا جعلتها معزولة عن الرأي العام، حالها حال النظام الديكتاتوري الذي لا يتواصل مع الجمهور الا عبر الوصاية والإرشاد، والمحاسبة باتجاه واحد، وهو المواطن. اما المسؤول، فلن يدنو منه القانون.

لكن الدعوة الى ترجّل الخطاب النخبوي الى مستوى الحشود والسُوْقَة، او العكس، لا يعني المجاملة الفكرية او التطبيقية، كما لا يجب النفاق لأجل تمرير ازمة، بل المنتظر، بعد ادراك الوعي من الجانبين، الجدّية في المشروع التحديثي والتنموي والتصدي للخلافات بنضج معرفي ودرجة عالية من المرونة والانفتاح.
..
بين الخطابين، الشعبي والنخبوي، ثمة منابر روحية، يجب ان تكون على مسافة واحدة من الطرفين، وانْ لا تجامل أي طرف، على طريق صناعة ثقافية لخطاب وطني شامل، يلهم الزعيم والمواطن، على حد سواء.

مقالات ذات صله