” عكد الهوى ” القلب النابض للناصرية ..

كتب – مؤيد عبد الوهاب

للناصرية موروث مكاني لا يمكن تجاوزه الا وهو شارع الحبوبي فهو جزء من هويتها وحيويتها وتأريخها وهو ذاكرة الماضي والق الحاضر، الذي يعتبر من أقدم شوارع مدينة الناصرية ( 350 كم جنوب بغداد ) وأهمها، وارتبط بالكثير من أحداثها التاريخية ويعد من معالمها التراثية البارزة، وكتب عنه أدباؤها وتغنى به شعراؤها، شارع الحبوبي الذي يتوسط المدينة منذ تأسيسها كانت تملؤه الأشجار في السابق، ومر بعدة تسميات فكان يسمى بـ ( عكد الهوى ) لحركة الرياح فيه التي تداعب أشجار الصفصاف والسدر والسيسبان المنتشرة فيه، وكانت على جانبيه تقع البيوتات المعروفة في الناصرية، وفي أوائل ستينات القرن الماضي تم تعبيد الشارع وإزالة الأشجار وأخذ طوله يمتد بامتداد العمران فيه. أطلق عليه بعد ذلك اسم شارع الحبوبي نسبة إلى المجاهد والفقيه الكبير والشاعر السيد محمد سعيد الحبوبي الذي انشأ له تمثالاً في الفلكة الواقعة الآن في تقاطع الحبوبي والذي صنعه الفنان العراقي عبد الرضا كشيش عام 1972، والسيد الحبوبي ولد في النجف الاشرف عام 1849م وخرج لجهاد الاستعمار الانكليزي عام 1915 م ورجع إلى الناصرية أمام قوة العدو وشراسته في نفس التاريخ وتوفي فيها ونقل جثمانه الطاهر إلى النجف الاشرف. شارع الحبوبي يشكل (عكد الهوا) واحد من ابرز مرتكزات مدينة الناصرية بل هو شريانها الابهر، إلى جانب الشوارع الاربعة الاخرى الممتدة طوليا منذ تأسيس المدينة حيث على يمينه شارع النهر وشارع الجمهورية الحالي وشارع التوراة الذي كان تقطنه غالبية يهودية وفيه توراتهم. شيد على انقاضها الجامع العتيد، وعلى يساره الشارع المحاذي لبساتين السيد زيدان، والذي يقع فيه حاليا بيت السيد محمد حسين السيد راضي. كان يبدأ هذا الشارع من المنطقة التي فيها المستشفى الجمهوري حاليا وينتهي فيما يدعى (بفلكة حجي هادي) كان فارها تملؤه اشجار الصفصاف والسدر والسيسبان، اطلق عليه بشكل مبكر شارع حسين الاغا نسبة إلى السيد (حسين الاغا) أحد رؤساء بلدية الناصرية والذي هو أبو احمد الريس وابو علوان الريس، كذلك بعد وفاة حسين الاغا اطلق على الشارع اسم (ياسين المحروث) الذي تسلم البلدية خلفا لحسين الاغا، ولكن الناس اتفقوا بشكل عشوائي على تسميته بـ ((عكد الهوا )) وفي هذه التسمية من الطرافة ما يجعلنا نشير اليها، حيث الناس كانوا يعرفون حركة الرياح من خلال حركة الاشجار التي يحركها الهواء. فتعرف الناس ان الهواء شمالي كما هو متعارف على التسمية اذا كان هابا من جهة الشمال الغربي . ويعرفون ان الهواء شرقي ايضا من حركة الأشجار وفي ذلك يمتنعون عن النوم فوق سطوح المنازل في ايام الصيف لما يجلبه الهواء الشرقي معه من رطوبة بنسب عالية من خلال مروره على الاهوار والمستنقعات المائية ، حيث تبلل الاغطية من مستخدمي السطوح لذلك في ايام ((الشرجي)) يضطر الناس إلى ان يناموا داخل الحوش او الغرف. واستمر اسم “عكد الهوا” إلى ان اصبح عبد الاله وصيا على عرش العراق بعد وفاة الملك غازي في 4 نيسان سنة 1939 . فقد اطلق اسم الامير عبد الاله على الشارع وخاصة بعد زيارته للناصرية. الا ان الناس بشكل عام تارة تسميه “عكد الهوا” وهم الأغلبية والتابعون للدولة يسمونه باسم الامير عبد الاله . وكان قطان هذا الشارع وعلى جانبيه من البيوتات الشهيرة في الناصرية بدءاً من ثلاثينيات القرن الماضي، واغلب تلك البيوتات فيها ديوانيات للضيافة والاسماء معروفة يطول تعدادها، ولكن بعد ثورة 1958م عاد اسمه ليصبح “عكد الهوا” حيث سقطت الملكية ورموزها، وفي مطلع الستينيات تم تعبيد الشارع وإزالة الجزرات الوسطية والأشجار، وامتد في طوله تبعا للعمران الحاصل في المدينة وميلاد المحلات الجديدة، لينتهي في بستان الحاج عبود الجازع في شرق المدينة واخترق بستان زامل المناع ليحده روف أبو جداحة من الغرب. وبتفكير من المرحوم شاكر الغرباوي رئيس بلدية الناصرية واقتراحا منه اطلق اسم السيد محمد سعيد الحبوبي على هذا الشارع العتيد الذي احب الناصرية واحبته . فكان من المقرر ان تكون” الفلكة” التي تضم تمثالا للسيد الحبوبي في تقاطع الشارع الذي فيه مقهى التجار مع الحبوبي وذلك لقرب هذه المنطقة من البيت الذي توفي به السيد الحبوبي، واحياء ذلك البيت واعادة بنائه وجعله مزارا ومكتبة، باعتبار ان هذه النقطة هي مركز المدينة، وحري بالتمثال ان ينشأ بالمركز لاسيما ان هناك مقترحاً بتوسيع شارع الحبوبي وجعله مشابها لبداياته من الشرق والغرب. ولكن لاعتبارات شخصية انشئ التمثال في هذه المنطقة. وقام بصنعه الفنان عبد الرضا كشيش. وكانت هذه الساحة قبل ذلك موقفا لمصلحة نقل الركاب وابعد من ذلك كانت موئلا لتجمع الناس في المناسبات وخاصة ان العاب العيد قريبة منها، كانت تقام على ارض روضة الناصرية والعيادة الخارجية ومدرسة الهدى حاليا (( المراجيح ودواليب الهواء ومظاهر الفرح الاخرى )) وهكذا اطلق القائمون على شؤون الحكومة في الناصرية اسم الحبوبي على ذلك الشارع العتيد الذي طالما تغنى به الشعراء من امثال زامل سعيد فتاح وكاظم الخطاط واخرون . ولكن “عكد الهوا” سيظل في ذاكرة أهل الناصرية يستأثر برؤاهم ويشكل جزءاً من تاريخهم

مقالات ذات صله