عروس العراق تحتضن اول طفل ثقافي بمشاركة أكثر من سبعة الاف موصلي

بغداد_ متابعة

يردلي.. يردلي سمرة قتلتيني..خافي من رب السما وحدي لا تخليني..

هكذا أطرب المغني الموصلي القديم، على إيقاع فرقته، الحاضرين كلهم من مدنيين وفتيات وشباب طموحين ورسامين وموسيقيين، وفنانات الأعمال اليدوية، في يوم تاريخي ابتسمت فيه نينوى الحرة من إرهاب “داعش”، وتغلبت على آلامها حبا بالحياة الجديدة.

يردلي..تلك الأغنية التي “تكزبر” الجلد من شدة الفرح والذهول تقف شعرات اليدين للنظر أيضا لبرهة وتستمر مع الحدث وهو الأول من نوعه تغني فيه الموصل، مركز نينوى، شمالي العراق، حرية وسعادة وأمل نحو غد ومستقبل خال ٍ من الإرهاب والتطرف دون السماح لعودة خلافة أخرى مثل التي سقطت قبل نحو شهرين بعد ثلاث سنوات من الرعب والإبادة اليومية.

مهرجان “الموصل تقرأ” هو الأول من نوعه شهدته المدينة حديثا، بعد خلاصها من تنظيم “داعش” الإرهابي الذي عاث فيها الدمار وسفك الكثير من الدماء منذ منتصف عام 2014 وحتى زواله وكلف العائلات الموت والفقدان إثر المفخخات والأنقاض.

وتضمن المهرجان فقرات متنوعة وفعاليات أثلجت القلوب وأسعدت أهل الموصل ونينوى، وأرجاء العراق من باقي المحافظات التي انطلق منها الناشطون والإعلاميون والفنانون والشعراء للمشاركة بهذا الحدث المفرح الذي شهد أيضا تجميل المكتبة المركزية وإحيائها بعد إنقاذ الآلاف من كتبها السالمة بين رماد قريناتها وزميلاتها من المحرقة التي نفذها التنظيم بالمكتبة بإشعال النار بتاريخها ونسخها النادرة.

ولاقى المهرجان وهو الأكبر حتى الآن في الموصل، إقبالا كبيرا من الناس من مختلف الفئات حتى الأطفال أحبوا المشاركة والظهور بوجوه مفعمة بالجمال برسومات تباينت بين الأجنحة للحرية، وألوان العلم العراقي المرفرف في كل مكان.

غنى قائد فرقة “أبو عثمان الموصلي” الشهيرة القديمة، أغنيات موصليات تراثية وفلكلورية متنوعة أمتعت الحضور، وأشهرها وأجملها وأقربها لقلوب الموصليين هي “يردلي” وهي مفردة تركية الأصل تعني “محبوبة قلبي” .

وتغلب اللهجة المصلاوية التي يصعب على الكثير من العراقيين في المحافظات الأخرى، فهمها ومعرفة معانيها التي يبرع بتفسيرها بالمضبوط غالباً هم الموصليون القدماء — كبار السن، ولعل من أبرز المطربين العراقيين الذين غنوها بمنتهى الإحساس والروعة، الفنان سعدون جابر.

وشاركت فتيات موصليات في البازار ضمن فعاليات المهرجان، بأعمال يدوية، من الكروشية المعقدة والدقيقة بتداخل الخيوط المنسوجة بالسنارة، وأكاليل الزهور من الجوري والكاردينيا، وأساور الأحجار وحبات اللؤلؤ بالونها المتنوعة، وغيرها من الأعمال التي تجذب الفتيات دائما ً.

وقال منظم المهرجان صالح الياس  “أقمنا مهرجان الموصل للقراءة الاول في جامعة الموصل، وهو اضخم وأول مهرجان من نوعه نشهده المدينة”، لافتا الى اننا “عملنا منذ أسابيع على إقامة هذا المهرجان والهدف منه جمع كتب تبرعات لمكتبة جامعة الموصل وتشجيع القراءة في المدينة”.

وأشار الى ان “الفريق المنظم للمهرجان تمكن من جمع أكثر من 14 ألف كتاب بمختلف المجالات، اذ تم تسليم الكتب الاكاديمية للمكتبة المركزية لجامعة الموصل، فيما وزع الباقي على الحضور كهدايا مجانية”، موضحا ان “مشروعنا هو نشر السلم والثقافة وإلغاء الصورة التي ظهرت بها الموصل في زمن تنظيم داعش والتي اجبر فيها الأخير المدينة ان تظهر بصورة العنف والخراب”.

وأكد الياس، ان “عدد الحاضرين من أهالي المدينة كان كبير جدا، اذ نفذت السبعة الالف بطاقة التي كانت توزع عند الباب للداخلين وكان هناك عدد مشابه يقف مطالبا بالدخول”.

وتضمن المهرجان الذي أقيم في الساحة الكبرى للجامعة أمام المكتبة المركزية لها، فعاليات عدة منها إلقاء قصائد شعرية عزف لفرقة أوتار نركال للموسيقى الكلاسيكية واغاني تراثية قدمتها فرقة عثمان الموصلي، ومعرض للصور والكتاب واللوحات الفنية وسوق خيري للاعمال اليدوية لفتيات ونساء الموصل، فضلا عن جناح مخصص لكتب وقصص الأطفال.

بدروه، قال رئيس جامعة الموصل أبي سعيد الديوه جي، ان “هذا مهرجان رائع ويعكس الصورة الثقافية لمدينة الموصل، ولم أكن أتوقع أن يكون الحضور بهذا الحشد الكبير”، مبينا ان “هذه هي الموصل المعروفة بحبها للثقافة والقراءة والكتاب، ونتمنى ان تساهم جهات أخرى بدعم مكتبة الجامعة”.

من جانبه، ذكر مدير مكتبة دار سطور ستار محسن، وهي أكبر جهة داعمة للمهرجان بالكتب، ان “المهرجان كان عبارة عن رسالة للجميع بأن الموصل مدينة لا تموت وممكن ان تبني تاريخها من جديد، حيث عشرات الشباب شمروا عن سواعدهم لجمع الكتب وإقامة المهرجان”.

ولم يكن حضور المواطنين على النخب، بل كان مهرجانا عائليا حضره من كافة مستويات وطبقات المدينة.

كما أقام اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين فرع محافظة نينوى، ضمن المهرجان، حفلاً لتوقيع الكتب الصادرة لهذا العام، بالقرب من المكتبة المركزية التي حرص الشباب والفتيات على تزيينها ومحو أثار الحريق الذي دبه فيها “داعش” الإرهابي أبان سطوته على المدينة.

ويسعى الموصليون، أن يعيدوا الحياة لمدينتهم التي دمر تنظيم “داعش” الإرهابي الكثير من أبنيتها وتاريخها وأفرغها من الأقليات القديمة، قبل أن تسقط فيها خلافته بتقدم كبير وساحق حققته القوات العراقية بمعركة انطلقت منذ 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2016، حتى إعلان المحافظة محررة بالكامل وعودتها إلى حضن الوطن في 31 أغسطس/ آب الماضي.

مقالات ذات صله