عدة أسباب وراء ابادة بساتين النخيل التمر العراقي.. غائب عن الأسواق المملوءة بالاصناف الخليجية

حين سألت صاحب محل تجاري كبير  في بغداد عن اي انواع لديه من التمر العراقي، وجدته يبتسم ومن ثم يتكلم بالفصحى قائلاً: لا تمر عراقي هنا، لم يعد للتمر العراقي وجوداً، فقد اختفى مثلما اصبحت النخلة تشكو إنقراض الكثير منها والذي تراه في علب جميلة انيقة ليس الا من خارج الحدود.

يتساءل الكثيرون عن التمر العراقي، اين يذهب ولماذا ليس له حضور في الاسواق العراقية، وربما تكون هناك اجابات عديدة وجاهزة تتمثل في الابادة الجماعية للنخيل بسبب الحروب وبسبب حشرة الدوباس التي فتكت بالبساتين حتى احالتها الى جذوع ليست لها رؤوس ولا سعف يزهو، ليس في البصرة فقط بل اغلب الاماكن التي يتكاثر فيها النخيل ومنها منطقة الهاشمية التي يشار اليها بأنها تنتج اجود التمور، لكن هذه الاعداد الهائلة من النخيل اصبحت اعدادا قليلة جديدة وانتاجها من التمر لا حضور لها في الاسواق العراقية ربما الا في وقت جني التمر، لكن المفاجأة التي يمكن ان نسمعها بسهولة ان التمور من دول الخليج العربي وايران راحت تتسيد الاسواق حتى اصبح من السهل ان تسمع ان التمر السعودي والاماراتي والايراني اصبح هو المفضل لدى العراقيين، ومن السهل ان تسمع من اصحاب المحال التجارية عبارات مثل :(هذا سعودي، هذا اماراتي وهذا ايراني) وحين تسأله اريد تمراً عراقياً يبتسم في وجهك وكأنك يعلن عليك الخبر المؤسف.
وبغض النظر عن كل ما يقال من محاولات اعادة العافية الى البساتين العراقية الا ان الواقع يؤكد ان التمر غير موجود وان وجد ففي ايام محدودة وباسعار غالية ومن ثم يختفي، ويظل المواطن يتساءل ولكن من دون جواب.
يقول الكاتب والروائي شوقي كريم حسن العائد تواً من البصرة بعد ان اشترك في مربدها الشعري: اغرب ما رأيت في البصرة الحزينة محلاً لبيع التمور وحين سالته عن التمر قال انه صناعة اماراتية؟، ثم يعلق على ذلك الجواب المدهش قائلاً: تمر البصرة تشتريه الامارات وتعاود تسويقه على انه منتجها الوطني وهذا اغرب ما يمكن سماعه طبعاً.
حاولت ان اتكلم بعد ان سمعت هذا الكلام منه الا ان الالم الذي اضفته كلماته جعلتني اسكت ومن ثم احاول البحث عن التمر العراقي عسى ان اجد له حضوراً، لكننا اردنا ان نعرف من المواطن ذاته هل يشعر بوجود التمر ؟
يقول المواطن عماد عبد اللطيف سالم عن تمْرِ الإمارات العربية المتحدة .. و تمر العراق “العظيم، هذا تمرٌ مستوردٌ للعراق.. من الأمارات العربية المتحدّة. تمور الظفرة. شركة الفوعة. إمارة العين. سعر الكيلو 5000 دينارعراقي (ما يقارب 4 دولارات أمريكية). على ما أعتقد (أو أعلم).. لا يتم فرض ضريبة كمركَية على استيراد هذا التمر.
واضاف: يبدو أنّ الأمارات العربية المتحدّة، هي الموطن الأصلي للتمور وإمارة “العين” الإماراتيّة، وليس مدينة البصرة العراقية ، هي من كان فيها أكثر من 13 مليون نخلة، من مجموع نخيل العراق البالغ 30 مليون نخلة في عام 1977 (أي قبل 40 عاماً من الآن) .
وتساءل: كم نخلةً مُثمِرةً في البصرة الآن؟ البصرةُ الـتي كانت “غابة لا تُحَدّ، وأنهار لا تُعَدّ” . لن تتوحّد “إماراتنا” أبداً.. ولن نزرعَ نخلةً واحدة.”إماراتنا” تقتلعُ النخيلَ في كلّ مكان .بإمكانكم التحقّق من ذلكَ ، على امتدادِ هذا العراق .مباركٌ عليكم جمهورية العراق – التعدديّة – الاتّحاديّة – الديموقراطيّة ..التي لا تستطيع أن تكتفي ذاتيّاً، بإنتاجها لتمرها ولا أن تُنتِجُ لكم “تمرةً” واحدةً قابلةً للتصدير.
اما البقال عبد السادة فقال: لا نرى التمر الا في موسمه وبسعر غالي لا يشتريه الا القليل من الناس وليس من الاصناف الجيدة التي كنا نعرفها، ومن ثم نراه معلباً في اكياس ويقولون انههم اخذوه الى الخارج وعلبوه واضافوا اليه سمسم او شيئاً آخر ليكون سعره اغلى ، ولا اعرف ان هذا صحيحا ام لا، لكنني اقول ان العائلة الفقيرة تعيش على التمر في كل الازمان وكانت تأكل خبزاً وتمراً وتحمد الله، الان التمر صار للاغنياء .
واضاف: انا لا افهم في التسويق ولا في البساتين لكنني كواطن عراقي اريد ان اجد التمر يملأ الاسواق وبسعر رخيص حتى اقول ان العراق بخير وافضل من النفط الذي ينزل سعره وتخرب موازنة الدولة .
حاولت البحث عن الاسباب التي وراء هذا التدهور الكبير في ابادة النخيل والبساتين وعدم تمكن الباقي منها من طرح التمر ، فوجدت ان هناك اسبابا عديدة يشير اليها المختصون وهي ان هذه البساتين:تعرضت للاهمال بسبب ارتفاع تكاليف عمليات الخدمة. اولا وعدم اجراء عمليات مكافحة الافات التى تصيب اشجار النخيل ثانيا و الزحف العمرانى ثالثا، ويعطون مثلا بسيطا عن حالة بساتين النخيل فى بغداد وبالاخص فى مدينتى الكاظمية والاعظمية.
ويؤكد هؤلاء ان: بساتين النخيل لم تندثر كلياً على الرغم مما عانت من الحروب والاهمال، فهى ما زالت قائمة فى ثلاثة عشر محافظة هى البصرة وميسان وواسط وذى قار والمثنى والقادسية والنجف وكربلاء وبابل والانبار وبغداد وديالى وصلاح الدين.
لكنهم يوضحون: ان بساتين النخيل تعاني من قلة الايدى العاملة المدربة فى مجال خدمة النخيل، فالافات تسبب موت اشجار النخيل، وانتاجية النخلة انخفضت، وإرتفعت ملوحة التربة فى المنطقة الجنوبية الامر الذى اثر في انتاج اجود انواع التمور من صنف البرحي. وتشير الدراسات ان هذا الصنف من التمور ذو النكهة المتميزة قد انتشر فى العديد من الاقطار وتحول من صنف محلي الى صنف تجاري مهم.
والاطرف في كل هذا انتشار حشرة سوسة النخيل الحمراء التي توصف بأنها سرطان النخيل ومن مساوئها هو تحملها للظروف البيئية المختلفة، وقد تم رصدها في احد بساتين النخيل في محافظة البصرة، وقد تبين فيما بعد إن مصدرها كان بسبب نقل احد الأشخاص لعدد من فسائل النخيل من احد الدول المجاورة. وكل هذا يجعل المواطن العادي يطرح سؤالا حين يسمع هذه المشاكل: اين وزارة الزراعة من كل هذا؟ الوزراة تقول إن “المبادرة الزراعية التي أعلنت عنها الحكومة العراقية سابقاً كان لها أثر كبير على توجه الفلاح للاهتمام ببساتين النخيل وتجديدها بنحو انعكس إيجاباً على زيادة إنتاجية النخيل من التمور”، وأن “الهيئة العامة للنخيل شجعت الفلاحين على تبديل أشجار النخيل القديمة بأخرى جديدة مجاناً”. وأن المبادرة الزراعية شجعت أيضاً على قيام القطاع الخاص بتصدير التمور العراقية، فضلاً عن تشجيع الصناعات التحويلية بدعم حكومي يبلغ 100 ألف دينار” للطن الواحد.
لكن التمر العراقي مفقود من الاسواق، لا في الصيف ولا في الشتاء وان ظهر في موسم الجني فلن تظهر منه الا كميات قليلة لا تمنح المواطن فرصة الفرحة بها او تأمل جمال العذوق.المبادرة الزراعية الحكومية كان لها أثر كبير على توجه الفلاح للاهتمام ببساتين النخيل وزيادة إنتاجية التمور.

مقالات ذات صله