ظاهرة مستفحلة.. دلال الأجداد للاحفاد يضيع جهود تربيتهم

بغداد_ متابعة

في الوقت الذي تبذل فيه العشرينية هدى طالب جهدا في تربية طفلتها وتنشئتها على طريقة معينة ترتئيها لتكون نموذجا للطفلة المهذبة والهادئة، زيارة واحدة لوالدتها تفسد كل جهودها ومحاولاتها تعويد الطفلة على أسس وقواعد وآداب بعينها.

تقول طالب “أمي تحب طفلتي كثيرا وما أن تزورني حتى تلبي جميع طلباتها بإسراف”، مضيفة “لا أعرف ما الذي يحدث عندما تأتي والدتي لزيارتنا فبمجرد أن تراها ابنتي حتى تتغير تماماً وتنسى كل ما علمتها اياه في ساعة واحدة ويصبح كل شيء مباحا عندها فتأكل الحلويات بطريقة لا توصف وبكميات كبيرة كما يحلو لها”.

وتتابع “كما أن طفلتي لا تحترمني أمام أمي على الاطلاق فعندما أنهر ابنتي لتصمت أو تكف عن عمل شيء تقوم والدتي مباشرة بالصراخ عليّ أمامها بأن لا أحدثها بهذه الطريقة وأحياناً كثيرة تقوم بضربي بطريقة مازحة حتى تشعر الطفلة أنها قد انتقمت لها مني” .

وتشير طالب الى أنها تحتاج بعد مغادرة والدتها لثلاثة أيام على الأقل لتعيد سلوك ابنتها كما عودتها عليه وتضبطها، منوهة إلى أنها مستاءة من هذا الأمر لكنها لا يمكن بأي حال أن تغضب والدتها أو تضايقها وتحرمها من رؤية ودلال حفيدتها.

ولعل هدى ليست وحدها التي تفسد لها والدتها كل شيء فعلا أسعد أيضا تذهب لزيارة بيت العائلة في نهاية الأسبوع وتقضي يومين هناك الا أنها وخلال هذه الزيارة تعرف أن ابنها سينسى كل ما علمته اياه وتتفاجأ بتصرفات تخرج منه “غير معقولة على الاطلاق”، وفق وصفها.

تقول أسعد “في آخر مرة قمت بها بزيارة أهلي تفاجأت بأن ابني يدعو جدته لتقوم بضرب خاله والسبب أنه لم يعطه ما طلبه منه”، متابعة “وبالفعل قامت والدتي بضرب أخي وأمرته بأن يدعي البكاء حتى يشعر حفيدها بالرضى وبأنها ثأرت له”.

وتشير أن ذلك أثر على سلوك طفلها كثيراً وبات يريد الحصول على أي شيء يرغب به خصوصاً عندما يرى جدّيه وأحياناً كثيرة قد يتطاول على والديه عندما يراهما.

في حين أن السيد ناصر علي يعيش مع أحفاده حالة حب لا توصف فهما نقطة ضعفه، الأمر الذي يزعج ابنته كثيراً ما يجعلها تغضب أحياناً وتحرد، مبيناً أنه أحياناً كثيرة قد يستيقظ أحد أحفاده في منتصف الليل ويطلب منه اعداد طبق معين من الحلويات ويقوم على الفور في تجهيزه له.

ويضيف عليّ أنه بالرغم من أن ابنته تصاب بنوبة عصبية بسبب التصرفات التي أقوم بها وبأنني لا أرفض لهم طلبا مهما كان حجمه أو مدى صحته غير أنه يشير إلى أنه أمر لا يستطيع السيطرة عليه وليس بيده فهو يحبهم ومتعلق بهم.

وفي هذا السياق يقول الاختصاصي الاجتماعي د. حسين الخزاعي أن هذه التصرفات تعود لأسباب أسرية وهي تعلق الأهل والجد والجدة بالأبناء وتشوقهم لرؤية الأحفاد واعطائهم الحنان والحب والعطف والرعاية .

الى جانب أنهم يعانون من عزلة خروج ابنائهم من عندهم، بالاضافة الى انشغال الأهل عن أبنائهم أحياناً بسبب مشاغل الحياة فيصبح الأجداد يريدون تعويضا هذا الانشغال.

ويضيف الخزاعي الى أن الحكم والموروثات الشعبية بأنه “ما أغلى من الولد الا ولد الولد يلعب دورا كبيرا في ذلك”، مبيناً أن الأحفاد يعتبرون صلة وصل بين الابن والأب.

ويشير الى أن ما يزيد الأمر تعقيدا في كثير من الأحيان أن الأهل يريدون تربية أبنائهم بثقافات وأساليب تربوية حديثة وهو ما يتعارض مع معرفة الجد والجدة وما نشأوا عليه.

في حين يذهب الاختصاصي النفسي التربوي موسى مطر الى “خطورة” اتباع مثل هذا النهج ومدى تأثيره “السلبي الكبير” على حياة الطفل بسبب تعدد التعليمات وعدم وجود نظام واحد للتربية.

ويشير الى أن الطفل حتى ينشأ يجب أن يعرف ما هو الصحيح والخاطئ وما هي الضوابط والتي هي دليل تربية، مبينا أنه في مثل تلك الحالات تكون الضوابط مكسورة ولا يوجد نموذج كونه يتلقى التوجيهات من عدة جهات.

ويضيف الخزاعي الى أن تعدد التوجيهات والإفراط في الدلال “خطر كبير” على الأسرة، منوها إلى أن على الاجداد أن يدركوا أن ما يقوم به الأهل هو من مصلحة الطفل وأن يعرفوا أن نمطهم في هذا التعامل يؤثر عليهم سلباً، لافتاً الى أن المحبة لا تكفي لتعليمهم هذه التصرفات كون الحب يكون بالرعاية والتوجيه.

ويتابع على الأجداد أيضا أن يدركوا بأن أي تدخل في تربية الطفل من أكثر من جهة “يحدث شرخا”، خصوصاً وأن الطفل يستغل هذه التصرفات في مصلحته، وهو أمر “منتشر كثيراً في مجتمعنا وينتج عنه اضطرابات سلوكية”، داعيا إلى ضرورة التنبه لهذا الأمر لأنهم في النهاية يربون جيل المستقبل والذي ستؤثر فيه طريقة التربية والتنشئة.

بكاء متواصل وصراخ، وكلمات لوم، وعتاب، لا تفارق لسان عبدالله حازم (6 أعوام) كلما دقت ساعة العودة إلى منزل الأبوين، مفترشا الأرض، رافضا العودة، ومصرا على البقاء عند جدته.

“بحب اروح على بيتي بس بحب بيت جدتي أكثر”، واصفا الحب والحنان اللذين تغمره بهما جدته، إضافة إلى الوقت الذي تمنحه إياه، وهي تستمع له ولقصصه.

ويتابع عبدالله “جدتي ما بترفض الي طلب، وتعطيني أي شيء بتمناه”، مشيرا إلى أن اليوم الذي ينام فيه إلى جانبها هو أسعد أيام حياته و”أحلى نوم”، وفق وصفه.

أما وضْع ليان (5 أعوام) فهو لايختلف كثيرا، فهي الأخرى تجد راحتها ومتعتها في البقاء ببيت جدتها، وتجد أن العودة إلى المنزل هي بمثابة عقاب لا تطيقه.

وتستهجن والدة ليان حالة بكاء وصراخ ابنتها كلما حان وقت عودتها إلى المنزل، وتشكو من هذا الروتين اليومي الذي لم تعد تطيقه.

وتتابع “أخاف عليها في كل مرة أراها وهي تبكي، إذ تكون منهارة تماما”، مشيرة إلى أن الوضع بات مزعجا لها ولمن حولها، وأنها لا تعرف الطريقة الصحيحة التي يمكن أن تتعامل بها مع ابنتها، دون أن تعرضها لمزيد من الحزن والبكاء.

ردة فعل السيد خالد الحديدي”45”سنة ،أكثر عنفا واستفزازا، خصوصا عندما يرى ابنه وهو “يمرغ” نفسَه في الأرض، ويضرب على وجهه، رافضا العودة إلى المنزل، ومرددا عبارات تزيد من عصبية والده وغضبه.

“احب جدتي، لا تحرموني منها، انتوا أشرار”، وغيرها من العبارات التي تستفز خالد وتجعله يتعامل مع ابنه ذي الأربعة أعوام بعصبية كبيرة، متجاهلا عمره الصغير.

وما يزيد الطين بلة، وفق خالد، هو رؤية والدته وهي تبكي مع ابنه، رافضة هي الأخرى عودته إلى المنزل.

في هذا الشأن تشير اختصاصية التربية، سعاد عبد اللطيف، إلى أن وجود الأجداد في حياة الأطفال مهم جدا، إذ يحس الطفل فيه وكأنه في بيت الأحلام، لايخضع لنظام، ويعمل فيه كل ما يطيب له، من دون حسيب أو رقيب.

الحاجة أم صلاح تختبر بشكل يومي معاناة أبنائها مع أطفالهم حينما ينوون الذهاب لمنزلهم، فأحفادها الستة يصرون على البقاء في بيتها ويبدأون بالصراخ حينما يأتي موعد المغادرة، ويمسكون بها لإقناع آبائهم ببقائهم لديها.

ورغم التعلق الشديد لأم صلاح بأحفادها إلا أنها تمنعهم من مخالفة ما يطلبه أبناؤها، وتبدأ بالحديث معهم بود وبأهمية إطاعة الآباء والعودة لمنزلهم ولغرفهم وتجهيز أنفسهم للمدرسة، وأن بكاءهم وصراخهم ربما يقلل من زياراتهم اليها.

غير أنها تعترف أنها في بعض الأحيان تحزن على بكاء أحفادها ورغبتهم بالبقاء بجانبها، لذلك تطلب من أبنائهما أن يتركوهم ليناموا عندها يوما أو يومين، خصوصا إذا كان ذلك في عطلة نهاية الأسبوع، فهي لا يهون عليها “دمعتهم” كما تقول.

“الأجداد بطبيعتهم، تقول سعاد، لا يرفضون للأحفاد أي شيء يطلبونه، فالطفل ذكي بطبيعته، ويعلم أن هذا البيت يمنحه الدفء والحنان، كما أنه يجد فيه كل طلباته”.

وتلفت عبد اللطيف إلى أن على الأهل أن يستوعبوا أطفالهم قدر الإمكان، ويقدروا العلاقة التي تربط بين الأطفال وأجدادهم، ومحاولة التقرب اليهم، والاهتمام بهم بطريقة تجعلهم يميلون للعودة للبيت دون عناء.

وتستنكر معاقبة الأهالي لأولادهم أمام أجدادهم، الأمر الذي يجعل الأجداد يتدخلون ويرفضون العقاب، وهو ما يجعل الأطفال يستغلون هذا الأمر ويميلون إلى قضاء الوقت برفقتهم.

وتتابع “يجب على الأجداد أن يطبقوا النظام السائد في بيت الأهل، وأن يعرفوا أن هناك عقابا وثوابا للأطفال”.

مقالات ذات صله