ظاهرة تختص بالنساء.. هل الشكوى الدائمة حقيقة أم مرض نفسي؟!

بغداد_ متابعة

ظن الكثير من أصدقاء سناء وأقربائها ان حالتها النفسية ستتحسن أكثر بحصول زوجها على وظيفة في إحدى الشركات الأهلية لكنهم فوجئوا بأن حالها ازدادت سوءا، ففي الوقت الذي انقطعت من الشكوى بشأن سوء حالتها المعيشية، بدأت تشكو من سوء عمله في هذه المؤسسة وتأخره عن موعد وصوله الى المنزل بسبب زحام الطرق، وما ان حلت نهاية الشهر تلاشت فرحتها براتبه الكبير الذي كان الحصول عليه حلما من أحلامها، أخذت تقول إنه لا يكفي لسد أبسط مصاريفها، وفي غمرة الصمت المطبق يقف سلام يراقب شكوى زوجته وصدره مليء بالضيق وعدم الرضا، فان كلمة واحدة في غير محلها قد تجلب المصائب لمن ينطقها، وان بامكان الكلمات ان تنقذ من يتحكم في نسجها بحذاقة، وهذا ما كانت تتمتع به سناء وهي تطلق عنان الالسنة بالشكوى مرارا وتكرارا دون انقطاع. ويقول سلام بصوت تتخلله الحسرات: «تقضي زوجتي معظم وقتها وهي تشكو من الفقر وضيق الحال، وكانت دائما تسبح في نهر الخيال للحديث عني وعن عائلتي وتشكو من سوء معاملتهم لها ولا تكترث ان للبيوت اسرارا لا يمكن إفشاؤها بسهولة لظروف خاصة، ولكن نهر الكلمات لم يكن ليجف، وطنين الحديث لا ينتهي عند سناء، فهي غالبا ما تبالغ في تضخيم الامور البسيطة، حيث لا تجد في حياتها اي شيء جيد، فجميع ما حولها سيئ ويستحق التشكي». وفي ما يخص الشكوى يقول السيد عماد الموسوي الاستاذ في الحوزة العلمية ان: «الشكوى مرض نفسي يدل على أن هناك اضطرابا في شخصية المشتكي وضياعا لهويته، لان هذا الانسان لا يعرف الهدف من هذه الحياة وما هي قناعته ونصيبه فيها، المنظومة الاسلامية التي يعيشها أبناؤنا بهذه العصور المتأخرة بينهما برزخ بين النظرية والتطبيق فهو يؤمن بان الله هو الرازق وان السعادة تتحقق ولو بالقليل المجزي، الا انه من الناحية العملية يريد ان يملك ملك فرعون واموال قارون، فمن يشتكي كأنما يشتكي على قضاء الله وقدره، لذلك يجب على الانسان ان يكون قانعا بنصيبه في الحياة الدنيوية».

إن الشكوى بمثابة قيادة عامة للتضامن النسوي قد لا تكون حقيقية بقدر ما هي عبارة عن وهم نفسي، فجميع النساء متشابهات من الخارج أما في دواخلهن فالفروقات كبيرة، والتدرج شديد الوضوح، فلولا الشكوى لكانت الحياة عبارة عن جحيم حقيقي عند بعضهن، فأين ستذهب النساء اذا صادفتهن المصاعب؟.

فالواقع الاجتماعي يفرز ان المرأة كثيرة الشكوى من الناحية الصحية وذلك كنوع مميز من انواع التشكي، فضلا عن سوء معاملة العمة والزوج، والأولاد، واما من ناحية الرجال فشكواهم في غالب الأحيان تأتي في سياق الأعباء المالية وسوء الحظ وعدم الحصول على ما يستحقه الشخص من مكانة اجتماعية.

ويظهر لنا الفولكلور العراقي قضية الحاج عباس، الذي لم يكن يعجبه العجب ودائم التشكي، من العمل وضغطه وسوء الحال، وفي يوم قررت زوجته ان تريحه من العمل وتجعله ينام حتى ساعة متأخرة كي يرتاح، وتجلب له الافطار المميز، ولكن الحاج عباس عندما نهض من الفراش، تشكى من انه تأخر في النوم، قالت له الزوجة انه يوم راحتك، ثم جلبت له الافطار، ولكنه رفض تناول الطعام، وقال لها اخشى ان يأتي شخص يطلب المساعدة مني ويحرمني هذا الطعام اللذيذ، قالت له لا عليك سوف اقول ان زوجي غير موجود، قال لها قبل ان اتناول الطعام دعيني انظر الى السماء، اخشى ان تكون السماء ممطرة، وفيها عواصف. قالت له ان الجو جميل، اخرج رأسه من الباب رأى حمارا محملا بالملح ويقوده صاحبه، قال لزوجته لن اتناول الطعام لاني اخشى ان يقع الحمار من الثقل ويطلب مني صاحبه مساعدته، فما كان من الزوجة الا ان ضربته على رأسه وقالت الموت خير لك من الحياة.

وبحسب قول سلام، فإن سناء ذات الاثنين والثلاثين عاما، كانت مزاجية الطباع، تمد من الشكوى الحماس الشديد الى الصمت الشامل دون أن يتمكن أحد من لمس سبب شكواها، فحياتها مليئة بالشكوى والقلق والاضطراب.

ويختتم سلام حديثه بنبرة مثقلة بالحزن: «كنت أعتقد ان حصولي على هذه الوظيفة سيغير الكثير من قناعاتها في ما يخص كثرة التشكي والخوف من الحسد، الا انها لم تنقطع عن ممارسة هوايتها المعهودة في التشكي من قلة المال وانها لا تستطيع ان تتدبر امورها، ثم راحت تختلق الاعذار لكسب تعاطف الآخرين حتى بدؤوا يشاركونها بالطعام والشراب، فكانت تصرفاتها هذه بمثابة زيت سكب على نار علاقتنا الزوجية فاضطرمت واشتد سعيرها بكثرة المشاكل، وصرنا نتخاصم لأتفه الأسباب، ومع كل يوم يمر، كانت صحراء الجفاء والصدود تتسع بسبب كثرة تشكيها من كل شيء ومن أي شيء».

«التشكي حالة اجتماعية موجودة لدى بعض الأفراد والجماعات الاجتماعية، كحالة ثقافية موجودة في المجتمع»، بهذه العبارة استهلت الدكتورة اشواق عبدالحسن – باحث اقدم في مركز البحوث والدراسات التربوية- حديثها عن موضوع الشكوى الدائمة موضحة: «انها قد تكون حالة من حالات الانطباع لدى الشخص او عدم رضاه بين ما هو قائم وما ينبغي ان يكون على اعتبار ان من بين الاشتراطات العلمية للمشكلة الاجتماعية ان يكون صاحبها شاعراً بها معتقداً انها تشكل عنصرا غير مرغوب به في حياته الاجتماعية، ولكنها في بعض الاحيان تتخذ طابعاً مرضياً لدى بعض الافراد، ولربما هو في حالة شكوى وعدم ارتياح حتى من الامور الايجابية، وقد يختلق الاعذار لكي يظهر هذه الشكوى او السلبية الموجودة في شخصيته».

وتروي سناء بصراحة تامة اسباب تشكيها الدائم من زاوية أخرى موضحة: «مع اني تحملت ما تحملت من سوء الحالة المادية التي كان يعاني منها زوجي قبل أن يتمكن من ايجاد عمل في هذه المؤسسة، لكني في الحقيقة لم أفكر يوما في جرح مشاعره واتهامه بالتقصير، إذ كان لي أمل أن يجد عملا يعوضني عن كل ما فاتني، صحيح ان الفقر لا يلغي الاعتزاز بالنفس بكثرة التشكي، ولكن ما حدث هو ان بعض النساء غالبا ما يشكلن رابطة نسوية يمارسن من خلالها هوايتهن المعهودة بالتشكي دون أن يتمكن أحد من معرفة سبب شكواهن الدائمة».

وتعتقد عبد الحسن ان «قضية الشكوى ترتبط بالجماعات او المجتمعات المأزومة سواء من الناحية الاجتماعية او السياسية او الاقتصادية وحتى الثقافية، وطبيعة الأجواء المأزومة تضغط على الأفراد بصورة عامة ولكنها تلقي بظلالها على بعضهم وتجعلهم أقل قدرة وإمكانية في مواجهة الضغوط، ولعل هذا التشكي هو نوع من انوع التفريغ لشحنات الكبت والحرمان والضغوط الاجتماعية والنفسية ولعل عدم وجود متنفسات لتفريغ الشحنات السلبية يجعل بعض الأفراد يوغلون في التشكي وإظهار ظلم الحياة لهم».

وتؤكد عبد الحسن أن «المجتمع العراقي من المجتمعات التي تعاني من مشاكل جمة وعلى مختلف المستويات، الا ان المواطن العراقي الأقل مراجعة للمختصين في مجالات العلوم النفسية والاجتماعية كي يتلقى العلاج والتوجيه والإرشاد المناسب لحالته التي تسبب له نوعا من أنواع عدم الاستقرار أو الرضا، ما ينعكس سلباً على سلوكياته وتصرفاته مع المنظومة المجتمعية المحيطة به».

وتضيف سناء بألم وحسرة: «فهناك امرأة تشكو من سوء معاملة أهل زوجها وهي تسكن في بيت منفصل عنهم، واخرى تنتزع كرامتها ساعة الشكوى وتلقي بها في بئر الفقر والحرمان وهي تعمل موظفة في إحدى دوائر الدولة مع زوجها، واخرى تختلق الشكوى من سوء معاملة اولادها لها خوفا من الحسد، وتستمر سلسلة من الشكاوى غير المعلنة بين النساء، الشكوى ما هي الا نوع من انواع الرقية من الحسد والعين».

ومن جهة أخرى يرى الموسوي ان «هناك تذمرا عند بعض الأشخاص ناتج عن نقص تهذيبي نفسي، لذلك نجد الطموحات التي لا يصل إليها الانسان تولد لديه القلق والاضطراب النفسي، وان عدم وضوح مفهوم السعادة عند بعض الناس يدفعهم الى الشكاية، الإنسان المشتكي لا يعرف هل السعادة بزوجة صالحة أم السعادة بمنزل واسع ومال كثير؟ فعندما تكثر أمواله ويملك وجاهة فهو لا يحسن استخدامها لذلك تجده متضجورا متذمرا شاكيا دائما لأنه لا يشعر بأي دور فعال في المجتمع، بينما تجد ان بعض المواطنين في بعض الدول الاسلامية او غير الاسلامية تجد هناك بعض الانسجام عندما يؤدي صاحب الاموال دوره في خدمة الآخرين تجده يشعر بالسعادة لأنه قدم خدمة الى  الغير».سكت اللسان، فحياة سناء الزوجية لم تحتمل ضربات الشكوى ومرارتها فأسلمت الى خراب ديارها فانتزعت من نعيم الآمال ورمت بها الأقدار الى جحيم اليأس بعد أن قامت الشركة بانهاء عقد سلام، وانتهى موشح الشكوى والنق عن فقر الحال، ولم يعد هناك سبب للشكوى بعد الآن.

مقالات ذات صله