طه باقر.. العالم الذي رمم الذاكرة العراقية ببراعته في فهم الآثار

بغداد_ متابعة

ولد “طه باقر” في 1912 في مدينة الحلة، العراق، أكمل دراسته المتوسطة هناك، وعائلته كانت معروفة بسعة علمها، لذا حرصت على تدريسه اللغة العربية، فدرس النحو والصرف على يد عمه ووالده، اجتاز دراسته الثانوية عام 1933 بتفوق حيث كان من الأربعة الأوائل، واختير كأحد طلاب البعثة، وتقرر دراسته علم الآثار على نفقة وزارة المعارف في المعهد الشرقي في جامعة شيكاغو بأمريكا، وبعد أربع سنوات حصل على شهادة البكالوريوس والماجستير، والعلوم التي درسها هناك هي: علم الانثربولوجي، ومواد الآثار والتنقيب، والتاريخ القديم، واللغات التي كتبت بالخط المسماري كالسومرية والأكدية وفروعها البابلية والأشورية، وأيضا العبرية، وكان لدية علم باللغة الفرنسية والألمانية وقد مارس أعمال الحفر والتنقيب عن الآثار وهو لا يزال في أمريكا.

يعد “طه باقر” من أبرز العاملين في مجال ترميم الذاكرة العراقية وصلتها بتاريخها الحيوي المتحرك الحي والمنتج، فقد عمل في مجال التاريخ القديم وعلى الأخص تاريخ العراق، لقد ركز على إعادة صورة الجماعة العراقية المنتجة والجدية في تفاعلها القديم مع بيئتها الطبيعية والاجتماعية، لقد كانت الدولة العراقية الحديثة والتي عاش بداياتها وفتوتها “طه باقر” مدعاة للنظر في تاريخ هذا الإنسان العراقي وكيف أبدع ألمع حضارات العالم القديم قبل وقوعه في براثن الانحطاط العثماني، لقد ربط “باقر” بين التاريخ وعلم الآثار ربطا وظيفيا، فالآثار لديه ليست حجرا أصم يؤرخ لأزمان جامدة ومعزولة، إنه تعبير متحرك عن واقع بحاجة دائما إلى إغناء مضامينه الإنسانية بالكشف والتنقيب عن إمكانات الإنسان العراقي وقدراته الإبداعية.

 

 

ومثلما أسس الفرنسيون علوم التاريخ والآثار في مصر كذلك فعل الإنكليز والفرنسيون أيضا في مجال الآثار العراقية، ولقد كانت جهود العاملين بالآثار من الأجانب هامة فقد حفزوا ونبهوا بلداننا على الاهتمام بتاريخها القديم، إلا أن ذلك لا ينفي جملة من السلبيات التي فطن إليها “باقر” في عمل هؤلاء، فبالإضافة إلى أعمال القرصنة والتهريب التي قام بها بعض من العاملين في هذا المجال فإن نظرتهم إلى التاريخ العراقي وقراءته بآثاره كانت لا تلاءم المعنى الذي يبغيه المؤسسون العراقيون للتواصل مع حضاراتهم الأولى، وفي أول انطلاقته صرح “باقر” بقوله الشهير “نحن العراقيين علينا أن نكتشف تاريخنا بجهدنا ودماغنا والمنطق الذي نحمله”.

تعد موسوعة “تاريخ الحضارات القديمة” بجزئيه من أهم المحطات العلمية في تاريخ ” طه باقر”، فقد صدر الكتاب بمجلدين عام 1951 وقد اختص الجزء الأول منه بتاريخ العراق وحضارته منذ أقدم العصور الحجرية حتى أواخر أيام الدولة البابلية الحديثة عام 536 ق.م، فيما يتعلق الجزء الثاني بحضارة وتاريخ وادي النيل وجزيرة العرب والشام، ويعد الكتاب بمجلديه من أهم المصادر العالمية التي كتبت في الموضوع ولم ينافسه أي كتاب آخر في هذا المجال حتى الآن، وقد أعيد طبعه أكثر من عشر مرات وما يزال مطلوبا من القراء والمختصين حتى الآن، ومقررا في أغلب الجامعات العربية وبعض العالمية، كما يشكل مرجعا لا غنى عنه للقارئ العام والمختص وطلبة الدراسات العليا وأساتذة التاريخ والآثار.

أكتشف “طه باقر” بعض المواقع الأثرية القديمة في بغداد، ومنها موقع “تل حرمل” وهي التسمية الحديثة لهُ إذ كان يسمى “شادوبوم”، وكان في الماضي مركزا إداريا تابعا إلى مملكة “إشنونة” والتي كان مركزها “تل أسمر” الواقع شرق بغداد في محافظة ديالى، ويقع قريبا منها “تل محمد” الذي كان يسمى “بنايا”، وكلا التلين الأثريين يقعان في منطقة بغداد الجديدة، وعثر على رقم طينية منها لوحين طينيين في حفريات آثار “تل حرمل” وسجلت فيهما مواد وأحكام قانونية، وتحتوي هذه المواد القانونية التي عثر عليها على أحكام مختلفة في السرقات والاعتداء والديون والأحوال الشخصية والأجور والأسعار والبيع والشراء إلى غير ذلك من الشؤون القانونية، ومما ذكره “طه باقر” في بحث لهُ في قانون “أشنونا “المكشوف عنه في “تل حرمل”: “أن قانون مملكة أشنونا المعثور عليه في تل حرمل أقدم القوانين المدونة والتي جاءتنا من العراق القديم، وكان قانون حمورابي إلى زمن قريب أقدم شريعة في تاريخ البشر، ثم بدل هذا الرأي بعد استكشاف أجزاء من قانون سومري يعود إلى الملك لبث عشتار وبما أن القانون المستكشف في تل حرمل أقدم زمناً من حمورابي بنحو من قرنين فيكون بذلك أقدم شريعة كشف عنها البحث حتى الآن”.

ومن أعماله “باقر” الطويلة في الرقم الطينية المسمارية تجمعت لديه مجموعة كبيرة من المفردات اللغوية الواردة في تلك النصوص في اللغة السومرية والأكدية مما نجده الآن متداولا في لغتنا العربية وفي معاجمها التي تؤصلها على أنها أعجمية أو دخيلة وهي تخص مختلف شؤون الحياة، كالمعاملات التجارية وأسماء الآلات وأدوات الزراعة وأسماء مجموعة مهمة من الأشجار والنباتات والأعشاب الطبية وبعضها كلمات يقتصر استعمالها على اللهجة العامية العراقية، ولهذا فإن تلك المفردات استحقت أن تكون واحدة من أهم مؤلفات “باقر” المعنون “من تراثنا اللغوي القديم ما يسمى في العربية بالدخيل” الذي يعد واحدا من المؤلفات الطريفة والنادرة في حقل الدراسات اللغوية المقارنة.

يقول عنه الباحث والمؤرخ حميد المطبعي في عام 1941 عين طه باقر أمينا للمتحف العراقي، فهو أول من أنقذه من العبثية والإهمال، إذ وضع له منهجا علميا في عرض الآثار بحسب تسلسل أدوارها التاريخية والحضارية، وكان يستند في ذلك علي خبرته في التنقيب ودراسته للغات القديمة ووعيه الجدلي لأدوار حضارة العراق مدعوما بقراءته المتعمقة لإثبات الملوك ألواح سومر وبابل وحله ألغاز اللغة السومرية، وكان من نتائج منهجه هذا أن أخذ طلبة قسم الآثار منذ تأسيسه 1951 يطبقون علومهم في المتحف العراقي علي ما سَنَّهُ لهم طه باقر”.

مقالات ذات صله