طنطل “إحميدي”!! ||وجيه عباس

الموت اصبح في هذه الايام اشبه بمناديل الكلينكس، تعددت الاسباب والمناديل واحدة،ربما يكون الفرق في عدد المشيعين!،و” مساكين اهل الفقر حتى قبورهم عليها تراب الذل بين المقابر”، اللطم والنوح الان أشبه باغاني السبعينات، العراقيون اثبتوا انهم لطامون وانهم احفاد جلجامش الذي نصفه إله ونصفه لطام حين قتلوا انكيدو بسبب ثأر عشائري لانه لم يأخذ “عطوة” من عشيرة خمبابا، الوحش السماوي الذي يخجل الان من وحوش بعض العشائر!!، جلجامش أقام اول تأبين لاستشهاد انكيدو، ويقال انه لطم مع” شاعرة الفواتح!” و”ذب لحم” مع النسوان!.

استشهد في حرب فلسطين جندي عراقي شاب،كان حادثا مأساويا لايقل عن اغتصاب “خريبط” لملكة بريطانيا!!( هي تتمنى الان حدوثه بعد وصولها الى مرحلة الجفاف!)، انقلبت المنطقة بأكملها واصبح الحزن ضيفا اجباريا داخل كل بيوت المنطقة، كيف للموت ان يتجرأ ويخطف ببراثنه “احميدي” الشاب الوديع والصخي حبيب الله، جلبوا الجنازة ،وبعد التغسيل والتكفين، ولان هناك عاملا اجتماعيا كبيرا، أصر الجميع على ان يذهبوا مع الدفانة جميعا وكأنهم يذهبون الى سفرة مدرسية ،وضعوا التابوت فوق سيارة” ريم” طويلة ، حجزوا المقعد الاول لسيد معمم، بينما انكفأ الجميع داخل السيارة الطويلة ذات ال ٤٥ راكب،، صعد مالايقل عن ٦٠ شخص، سارت السيارة بصوتها الذي يشبه صوت” ناهدة الدايني” باتجاه مقبرة النجف، توقفوا قرب مطعم وتناولوا العشاء، كانت حصة السيد المعمم فخذ دجاجة لايشبه فخذ هوشيار زيباري الذي اجرى له عملية تحويل الى ” صدر”، بينما اكتفى الاخرون باللفات بحجة انهم كيف يأكلون و” احميدي” منسدح في التابوت وملفوف ببطانية جيش لونها” املح” في هذا الليل البهيم!؟، ” احميدي” رحمه الله لم يعرف معنى كلمة “بهيم” في حياته فكيف بعد مماته!، وصلوا الى المقبرة الساعة ١٢ ليلا بعد منتصف الليل من الحزن.

حفر الدفان الموهوب حفرة” احميدي” الاخيرة بسرعة البرق وكأنه يريد ان يتخلص منه بسرعة ، اخواته يلطمن وهن لايصدقن ان ” احميدي راح من ايديهن !”،المشهد متورم مثل ساق هوشيار زيباري وصوت الحزن اشبه  بصوت ستريو ماركة ناهدة الدايني!، فجأة قطع رهبة الليل البهيم!! صوت السيد المعمم ، سكتت كل الاصوات وهي تنظر الى السيد المعمم وهويشير الى عمق المقبرة ويصيح به:

– انت انس أم جان؟ اقسم عليك بإله الكون أن تخبرني؟

سألوا السيد المعمم:

– سيدنه سالمين ؟

قال لهم:

– انظروا هناك خيال كبير يرفع يداه ويؤشر لي!.

قبل أن يكمل السيد جملته المرعبة، شغل سائق ال” ريم” سيارته بسرعة البرق وهي التي تحتاج الى ربع ساعة من اجل ان” تحمي”!!، كيف صعد السائق وقام بتشغيل السيارة وكيف سبق الجميع الى الهروب؟  بعض النسوة اللاطمات صعدن الى السيارة عن طريق النوافذ الكبيرة للسيارة، الشباب الاقوياء صعدوا وراءهن او فوقهن  الى “الريم”  عن طريق النوافذ، خوات الشهيد ركضن وتركن ” العبي” ملقاة قرب التابوت الفارغ، عشرة شباب تعلقوا بالريم من الخلف مثل القرود، الدفان ترك جسد الشهيد في حفرته من دون ان يغلق اللحد عليه وهرب زاحفا من القبر وكأنه يخشى من هذا الطنطل الذي كان يؤشر الى السيد المعمم!، ذهبوا جميعا الى مكتب الدفان الرئيسي، قال لهم بعد ان رآى تخوفهم من الرجوع:

– وكيلكم الله ماكو هيجي كلاوات يمعودين.

رجع السيد المعمم مع ٥ اشخاص مع الدفان الرئيسي الى القبر وقال لهم:

– وينه هذا الي يأشر الكم؟

اشاروا اليه الى  المكان، ذهب وحده ورجع اليهم وبيده راية قديمة ممزقة وقال لهم:

– بويه هذا علم عراقي مشكك ويهفي مو طنطل!!.

حين رجعوا الى السيارة صعد ابو الشهيد وقال للسيد المعمم الذي كان يجلس في المقعد الاول:

– سيدنه ارجع اكعد ليوره !!.

مقالات ذات صله